الدكتور سايد حرقص

شيخ نعيم قاسم، من قال إن كربلاء مجرد انتحار؟

4 دقائق للقراءة

​يصرّ الشيخ نعيم قاسم وفرقته الإعلامية على استحضار "كربلاء" وكأنها مجرد قصة "فخر بالموت ". لكن الحقيقة التي يغفلون عنها، أو يتغافلون، هي أن الإمام الحسين لم يخرج ليبحث عن موت عبثي. لقد خرج ليطالب بحقه وهو يدرك أنه سيواجه قومًا يعرفون حق المعرفة أنه ابن فاطمة، بنت رسول الله، وأنه سيد شباب أهل الجنة، وأن دمه محرّم عليهم. والدليل أن الحسين قال في خطبته في كربلاء :"أما بعد يا أهل الكوفة فانسبوني فانظروا من أنا، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي و انتهاك حرمتي؟ألستُ ابن بنت نبيّكم و ابن وصيّه و ابن عمّه و أول مصدّق لرسول الله صلى الله عليه و آله بما جاء به من عند ربّه؟أو ليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟أو ليس جعفر الطيّار في الجنة بجناحين عمّي؟أو لم يبلغكم ما قال رسول الله لي و لأخي: " هذان سيدا شباب أهل الجنة".



خرج الإمام الحسين وهو يؤمن بأن مكانته بين المسلمين كافية لتردعهم عن المساس به، ولم يتخيل لحظة أن جيشًا يزعم الإسلام سيرفع السيف في وجهه. حتى أن الإمام الحسين كان يرفض المبادرة الى القتال وقد قال لصحبه: " ما كنت لأبدأهم بالقتال "وقال لمسلم بن عوسجة الذي اراد قتل شمر بن ذي الجوشن:" لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم ". لهذا الحسين كان يعتمد على قيمته كحفيد للنبي محمد للمطالبة بالحق ولم يكن يريد أبدا "كربلاء الدم" كما تصورون وهنا يكمن الفرق الجوهري.



​لكن اليوم، يا شيخ نعيم، أنتم لا تواجهون قومًا يؤمنون بحرمة دمكم ولا ينظرون إليكم كأبناء بيت النبوة. أنتم تواجهون وحشًا بشريا أيديولوجيته مبنية على اعتبارنا جميعا مجرد "أمم مباحة"، يحق له حرق مدننا وقتلنا بلا تردد. فكيف تُشبّهون مواجهة الحسين بما تفعلونه أنتم، بينما بين الحالتين ياشيخ نعيم مسافة ابعد من بعد الارض للسماء؟



​ما تحتاجه الطائفة الشيعية اليوم ليس تكرار شعارات الموت، بل قيادة رشيدة تعرف كيف تعصم دماء شبابها وتحمي لبنان. ألم يتجرّع الإمام الخميني "كأس السم" وأوقف الحرب مع العراق عندما أدرك أنها أصبحت عبثية وتدميرية؟ ألم يسلك السيد علي خامنئي النهج نفسه في أكثر من محطة عندما شعر أن استمرار المعركة بات يهدد وجود النظام نفسه؟



​فلماذا تجرّون شباب الطائفة إلى موت مجاني باسم كربلاء؟ هل أصبحت دماء هؤلاء الشباب وقودًا لحروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟ إن استدعاء كربلاء بهذا الشكل هو تشويه لمعناها الحقيقي، وتحويلها من رمز للتضحية في سبيل المبادئ إلى دعوة للموت المجاني.

​سواء اعتبر البعض ما قامت به حماس في 7 أكتوبر 2023 بطولة أو خطأً استراتيجيًا، فإن الجدل حول هذا التوصيف لم يعد ذا معنى. فالأحداث اللاحقة، خصوصًا محاولة استهداف وفد حماس في الدوحة أثناء التفاوض، كشفت أن نتنياهو لا يريد تسوية ولا حوارًا، ولا حتى استرجاع رهائن. إنه يريد الإلغاء الكامل للآخر، حتى وهو جالس إلى طاولة المفاوضات.



​ما يقوم به نتنياهو ليس مجرد مناورة عسكرية، بل هو تعبير عن نهج متجذّر في ثقافة الإبادة. نصوص توراتية قديمة ما زالت تُستعاد اليوم لتبرير القتل الجماعي: "وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا فلا تستبق منها نسمة ما. بل تحرّمها تحريمًا..." (سفر التثنية 20:16-17). هذه ليست مجرد كلمات في كتاب مقدس، بل تحولت إلى أيديولوجيا سياسية تغذّي مشروعًا قائمًا على الدم والإلغاء.

​الأخطر من كل ذلك أن العالم بأسره، من أميركا إلى الصين مرورًا بروسيا وأوروبا، يقف أمام منعطف تاريخي: فإما أن يتحرك سريعًا لوقف هذا الجنون قبل أن يبتلع المنطقة، أو يترك الشرق الأوسط ينزلق إلى بحيرة دم وكراهية لا قرار لها. فحين يُلغى الحوار ويُقتل المفاوض، لا يبقى سوى السيف والنار والموت.

​من قرأ كتاب "مكان تحت الشمس" يدرك أن الحاضر الإسرائيلي يتغذى من نصوص الماضي الديني ليحوّل المستقبل إلى مشروع موت جماعي. وهنا السؤال الجوهري: هل يجرؤ العالم على إقفال بوابة الجحيم قبل أن يطلق "مجنون الموت" شرارات الحرب الكبرى؟

​في النهاية يا شيخ نعيم قاسم، بالأمس ناشدك الدكتور سمير جعجع، واليوم نكرر المناشدة: أوقف إعطاء الذريعة لـ "مجنون الموت" ، ليس رأفة بلبنان فقط بل رأفةً بشباب الطائفة الشيعية، قبل أن يُفتح باب الجحيم على مصراعيه. لأنه عندها لن يفيدك شيء حتى لو رددتم مع سلفكم  "لو كنت أعلم"