على خشبة "مسرح المونو" في الأشرفيّة، يقدّم سامر حنّا مسرحيّته الجديدة "عالهوى سوا". كوميديا استثنائيّة تجمع بين لوحات تمثيليّة غنائيّة راقصة يؤدّيها ممثلون مميّزون، ونص ساخر يعكس واقعًا بات مألوفًا لدى الجمهور: مهنيّة تتراجع أمام السعي لرفع نسب المُشاهدات على مواقع التواصل، وشخصيّات مؤثرة على المنصّات تحلّ مكان أصحاب الكفايات، وصورة لامعة على الشاشات تخفي وراءها أزمات وانكسارات.
تسرد مسرحيّة "عالهوى سوا" حكاية ثنائيّ يقدّم برنامجًا صباحيًا عبر قناة تلفزيونيّة محدودة الإمكانات. العلاقة بينهما متأزمة إلى حدّ الطلاق السرّي، فيما يحرصان أمام الكاميرا على الظهور كزوجَين متفاهمَين حفاظًا على صورة البرنامج.
هذا التناقض بين ما يُعرض على الشاشة وما خفي خلفها، شكّل مادة دراميّة كوميديّة غنيّة، وأتاح للكاتب والمخرج تمرير رسائل لاذعة حول واقع الإعلام اليوم.
ما يميّز هذا العرض المسرحيّ أنه لا يقع في فخ الوعظ أو الإطالة، بل يقدّم مادته بحنكة، فينقل المُشاهد من مشهد إلى آخر بانسيابيّة ويُضحكه، لكن في الوقت عينه يجعله يتأمّل في واقع الأمور التي يضيء عليها هذا العمل الفنيّ.
النصّ ينبض بالحياة، سريع الإيقاع، ويطرح رسالته بوضوح من دون أن يترك مجالًا للملل.
تجربة شخصيّة
في حديثه مع "نداء الوطن"، يشير كاتب العمل ومخرجه سامر حنّا إلى أنّ فكرة المسرحيّة وراءها تجربته الشخصيّة أثناء عمله في إحدى المحطات التلفزيونيّة، حيث لاحظ كيف يُعطى الاهتمام لعدد المُشاهدات على حساب المهنية والخبرة. ويتابع: "أصبح مألوفًا اليوم أن تُستبعَد إعلامية متمكّنة ليُستعاض عنها بمؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فقط لأنّ في حساباتها على هذه المواقع عددًا كبيرًا من المتابعين".
دمج الحيّ بالمسجّل
يشترك في بطولة "عالهوى سوا" كلّ من جوانا طوبيّا، شربل أبي نادر، ماريا بشارة، وجاد حرب، إضافة إلى مداخلات مصوّرة تتخلّل العرض لعدد من الممثلين الكوميديّين المعروفين. هذا الدمج بين الأداء الحي والعرض المصوّر على الشاشة يضفي تنوّعًا بصريًّا وكوميديًّا، ويجعل المسرحية أقرب إلى طبيعة البرامج التلفزيونية التي تتناولها.
ويقول حنا: "عندما أكتب نصًّا مسرحيًّا، أحرص على ابتكار شخصيات قريبة من الناس، يجد فيها المُشاهد شيئًا من نفسه أو من محيطه، ولا أبحث عن التعقيد بقدر ما أركّز على الواقعية ومحاولة لمس إحساس الجمهور".
كذلك، يشدّد على أهميّة الدَّور الإخراجيّ في المسرح فيقول: "أعتبر أن على المُخرج أن يكون هو نفسه الـ "Acting Coach"، فيرافق الممثلين ويراقب أداءهم عن قرب، حتى ولو كانوا من أصحاب الخبرة الطويلة".
تحدّيات على المسرح
وتحدّث سامر حنا عن أبرز الصعوبات التي قد تواجه الممثلين على الخشبة، قائلًا: "كلّ ممثل يعيش قلقًا خاصًا. هناك من يخشى أن ينسى نصّه، وهناك من يتخوّف من ردّات فعل الجمهور في العرض الأوّل. أما بالنسبة لي، فخوفي الدائم هو من انقطاع الكهرباء أثناء العرض، لأن أعمالي تتضمّن دائمًا الأغاني والرقص، وأيّ عطل تقني قد يربك إيقاع العرض".
حنا استعاد في هذا الإطار ذكرى خاصة من بدايات عمله في السينما قائلًا: "أول ملاحظة في حياتي المهنيّة جاءت خلال مشاركتي في فيلم سينمائي خاص. كنت متوترًا جدًّا، فاقترب مني مدير التصوير وقال لي: لا تتوتر، استمتع باللحظة ولا تفكّر بأن هناك من يراقبك، فالجميع مشغول بعمله. هذه الجملة البسيطة ساعدتني على التحرّر من القلق، وأدركت أن التمثيل يصبح أكثر صدقًا عندما يُقدَّم بمتعة".
مسيرة وآفاق
في مجال آخر، وحول انطلاقته الأولى في عالم الفن، يخبرنا سامر حنا أنه بدأ مثل أيّ شخص في هذا المجال من دون دعم مادي، "إلّا أن الحظ حالفني حين شجّعني أساتذتي في الجامعة على عرض مسرحيّة مشروع تخرّجي أمام الجمهور. كان العرض بعنوان "Yamma Mia"، ومنذ ذلك الحين بدأ الناس يعرفونني. لكن خلال فترة جائحة كورونا والثورة في لبنان، توقفت لعام ونصف تقريبًا عن العمل، ثم عدت بعدها بمسرحية "هلع" التي اعتبرتها انطلاقتي الثانية".
وضمن مساره الفني، أسّس حنا شركة الإنتاج الخاصة به "Juke Box Productions" التي شكّلت قاعدة أساسية لتطوير مشاريعه.
أضخم العروض
نسأل مخرج مسرحيّة "اتنين بالليل" عن أضخم العروض التي قدّمها حتى الآن، فيجيب أن مسرحيّة "Paradisco" كانت أضخم تجاربه، إذ تضمّنت 12 أغنية ورقصات معقدة وديكورات متبدّلة أبهرت الجمهور. كما أن "الانسجام بين الممثلين على الخشبة انعكس على المشاهدين، وأغاني حقبة الثمانينات من القرن الماضي، لاقت تفاعلًا كبيرًا لدى الحضور لأنّ الناس يتفاعلون بطبيعتهم مع الحنين للماضي والنوستالجيا".
في المقابل، يؤكّد حنا أن نجاح أيّ عرض على المسرح لا يقاس بضخامته فحسب، ويشرح: "شاهدت منذ مدّة مسرحية خارج لبنان كلّفت ملايين الدولارات، لكن النص كان سطحيًا والرسالة ضعيفة. برأيي، الإنتاج والاستعراض لا يكفيان وحدهما، بل ينبغي أن يكون العمل متكاملًا لجذب انتباه الجمهور ودفعه للبقاء متحمّسًا حتى النهاية".
شباب مغامر
عن واقع المسرح اللبناني اليوم، يقول الكاتب والمخرج الشاب سامر حنا: "استعاد مكانته بشكل واضح منذ عام 2023، ونرى اليوم منتجين شبابًا يغامرون بجرأة ويقدّمون أعمالًا جديدة. هذا المشهد يعطينا الأمل بأن يبقى المسرح حاضرًا في حياة اللبنانيين".
عن مشاريعه المقبلة وإلى عروض "عالهوى سوا" المستمرة حتى 28 أيلول الجاري على "مسرح المونو"، بدأ سامر حنا بكتابة نص مسرحيّ لعمل سيكون بحجم "Paradisco"، على أن يُعرض بين شهرَي كانون الثاني وشباط المقبلَين. ودافعه للاستمرار كما يقول حبّه لعمله وإيمانه بالمجال الذي اختاره، مؤكّدًا في الختام أن "حماسة الجمهور خلال العروض تمنحنا دافعًا للاستمرار"، ومبديًا امتنانه "للفريق الذي رافقني في هذه المسيرة".

