كسرت إسرائيل في إغارتها المباغتة على دولة قطر، واستهدافها وفد حركة "حماس" المفاوِض، "جَرّة المفاوضات" الرامية إلى إطلاق الأسرى ووقف الحرب على قطاع غزة، غير آبهة البتّة بتداعيات فعلتها على مسار ومصير مفاوضات، يعوِّل عليها المجتمع الإسرائيلي لإطلاق من تبقّى من أسرى في شباك "حماس".
الدولة العبرية نعت بلا شك في هذه الضربة، التي مسّت السيادة القطرية في الصميم، المفاوضات إلى أجل غير مسمّى، وربّما أكد بذلك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو المؤكد وهو تخلّيه عن الأسرى، بالتوازي مع مضيّه في خطة اجتياح مدينة غزة.
الدولة اليهودية بفعلتها هذه، أثبتت مرّة جديدة أنها غير جديرة بالحوار ولا بالسلام، فتل أبيب غدرت بالدوحة بكل ما للكلمة من معنى، ونجاة "الرؤوس الكبيرة" في الوفد لا يلغي حصول العدوان على دولة ليست في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة معها، بل كانت حتى اللحظة الأخيرة من أبرز الساعين إلى السلام، ووسيطًا موثوقًا به من كافة الأطراف، وسعت جاهدة إلى تدوير "الزوايا التفاوضية الحادة" بين إسرائيل والحركة. والأهمّ من كلّ ذلك، أن آلة الدولة العبرية العسكرية لم تستهدف قادة عسكريين يقاتلون في الميدان، بل صوّبت نيرانها إلى الوفد المفاوض نفسه، ليثبت نتنياهو وائتلافه الحكومي مرّة جديدة، بأنهم "ائتلاف حربي" يقتات من استمرار الحروب، التي تبقي حكومة "بيبي" على قيد الحياة السياسية، والاستهداف سيكون بلا شك ضربة قاصمة لمساعي التوصل إلى اتفاق يضع حدًا لصوت المدافع.
بدا لافتًا هذه المرّة الإجماع الداخلي الإسرائيلي على الهجوم، فحتّى زعيم المعارضة يائير لابيد الذي لا يفوّت فرصة لانتقاد "بيبي" وسياساته الحربية، سارع إلى مباركة العملية، شأنه شأن الوزراء المتطرّفين الذين رحّبوا بالضربة، مشيدين بـ"صوابية القرار"، وذلك يعني أن قرار استهداف قادة "حماس" في قطر، متخذ مسبقًا عن سابق تصوّر وتصميم في المجلس الوزاري المصغر، فضلًا عن أن رئيس الأركان العامة إيال زامير كان قد هدّد قبل ساعات من الهجوم القادة "الحمساويين" بأنهم ليسوا في مأمن من الاستهدافات.
الأقلام العبرية انتقدت بمعظمها الضربة الإسرائيلية على الدوحة، وأنحت باللائمة على صنّاع القرار في تل أبيب. الصحافي رونين برغمان وجّه في "يديعوت أحرونوت" من باب انتقاده القصف على قطر تساؤلات عدة، منها: كيف اتُّخذت القرارات قبل العملية؟ لنفترض أنهم نجحوا في قتل قيادة "حماس" كلّها، ما الذي كان سيحدث بعد ذلك؟ ما هو السيناريو "المتفائل" الذي دفع مَن صادقَ على العملية إلى الاعتقاد أنها ستؤدّي إلى إطلاق الأسرى؟ هل كانت "حماس" ستُليّن مواقفها بعد عامين من القتال من دون استسلام، فقط لأن رأسها في الخارج قُطع؟ هل هذا هو السيناريو؟ ومَن صادقَ عليه؟ ومَن هم الخبراء الذين اعتبروه سيناريو واقعيًا، خصوصًا في ظلّ التقارير التي كشفت أن قيادات الأجهزة الأمنية والاستخبارات، في معظمها، عارضت ذلك بشدّة.
الكاتب في "معاريف" ران أدليست رأى أن أي صفقة لإطلاق الأسرى لن تُعقد بعد استهداف قطر، وسيستمرّ سيل الدماء، و"حماس" تريد فقط البقاء على قيد الحياة لتقول إنها انتصرت. وأضاف أدليست أن "حماس" كفكرة، انتصرت بشكل كاسح، "لقد جرّتنا إلى حرب غبية مدّة عامَين، ودمّرت صورتنا تمامًا، وحطّمت مكانتنا في العالم، ومزقتنا بانقسام لا يمكن جَسره".
الصحافي حاييم ليفنسون كتب في "هآرتس" أن التداعيات المباشرة للضربة تقع على العلاقات الإسرائيلية - القطرية، وعلى صفقة الأسرى، مضيفًا أنها إهانة وطنية لقطر، وسيكون لها ثمن، فمن وجهة نظر الدوحة، كانت استضافة قادة "حماس" خدمة للغرب، باعتبارها "دولة وسيطة"، فالخزائن في الدوحة مليئة بالرسائل، التي قد تُنشر قريبًا، من إسرائيل والولايات المتحدة، تطلب استضافة قادة "حماس"، وإرسال أموال إلى غزة، وغير ذلك. وفي نظر قطر، هي تساعد إسرائيل، وتُقابَل بالتوبيخ. لكن أن تتعرّض العاصمة لقصف بالصواريخ، يُقتل إثره حارس قطري يحرس "حماس"، فهذا تجاوُز للحدّ.
الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية تامير هايمان رأى لقناة N12 أنه على المدى القصير، يُمكن أن تتراجع قطر عن جهود الوساطة وتزيد من مساعيها للتحريض ضدّ إسرائيل كردّة فعل، لكن في غياب استضافة قادة "حماس"، فإن تفوّقها النسبي كوسيط سيتلاشى، وهنا ستنتقل الكرة إلى مصر، التي تشكّل العنوان الذي سيلجأ إليه قادة "حماس" في غزة.