في حرب باتت تُختصر بأنها معركة وجودية بين أوكرانيا وروسيا، تتقاطع السياسة بالنار، والمفاوضات بالصواريخ، والوعود بالدماء. من قلب كييف، ومن موقعه كمستشار للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، يشرح ميخايلو بودولياك لـ "نداء الوطن" في هذا الحوار كيف ترى أوكرانيا فرص السلام في زمن تتكثّف فيه الضربات الروسية، وما هو موقع الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، في أيّ مسار تفاوضيّ مستقبليّ. حديث يكشف ملامح المرحلة المقبلة، من الضمانات الأمنية إلى شرعية القيادة الأوكرانية، مرورًا بالاغتيالات السياسية، وصولًا إلى الدروس الشخصية التي صاغتها سنوات الحرب في وجدان واحدٍ من أبرز رجال القرار في كييف.
س: بعد اجتماع ألاسكا بين الرئيسَين بوتين وترامب، رأينا كيف يتمّ الحديث عن السلام في أوكرانيا، ونرى كيف يتمّ قصف المدن الأوكرانية بشكل يوميّ. هل تعتقد أن روسيا تريد السلام، أم أن هذا مجرّد تضييع للوقت للهروب من غضب ترامب؟
ج: روسيا لا تريد قطعًا عملية تفاوض. لا نهاية للحرب، ولا هدنة من حيث المبدأ. روسيا مهتمّة فقط بإطالة أمد الحرب. ولذلك، تلتقي ممثلين عن الولايات المتحدة. وبناءً على ذلك، يتحدّثون طوال الوقت عن استعدادهم للمفاوضات. في الحقيقة، هذا كلّه وهم. ليس لدى روسيا بديل عن الحرب. لا يمكنها إدراك ذاتيّتها العالمية إلّا من خلال الحرب. لا حرب، لا روسيا، في الواقع، ما يؤثر على بعض العمليات. لذلك، باختصار، أوّلًا، روسيا ليست مستعدّة لترك الحرب من دون إكراه، أي أنه إن لم تُجبرها على ترك الحرب، فستواصلها. ثانيًا، على العكس من ذلك، تُماطل روسيا الآن لكسب الوقت، ولا تُشارك في عمليات تفاوض حقيقية، وتزيد من عدد الضربات ضدّ المدنيين في أوكرانيا. وثالثًا، للأسف، لا تُطبّق اليوم أدوات الضغط على روسيا التي كان من المفترض تطبيقها مبدئيًا، بما في ذلك العقوبات الثانوية ضدّ الدول التي تشتري معظم النفط والغاز الروسيَين. بلا هذه الأدوات، تبقى روسيا على طاولة المفاوضات ولن تُفاوض.
س: لقد شهدنا لقاءات في المملكة العربية السعودية بين الأوكرانيين والروس، وكذلك بين الأوكرانيين والأميركيين. ما هو الدور الذي تعتقد أن السعودية يُمكن أن تؤدّيه في المستقبل؟
ج: تؤدّي المملكة العربية السعودية دورًا فعّالًا للغاية في العملية اللاحقة، بما في ذلك المساعدة في إجراء تبادل للأسرى وإعادة الأطفال. السعودية تُهيّئ بيئةً مريحةً للغاية. وبالطبع، تُعتبر السعودية دائمًا خيارًا لإجراء مفاوضات شاملة. إلى جانب دول أخرى، كتلك الأوروبّية المحايدة، تُدرس أيضًا إمكانية الاستعانة بدولة شرق أوسطية لإجراء مفاوضات. مرّة أخرى، أثبتت السعودية أنها وسيط عالميّ ممتاز، أي دولة مستعدّة لتنظيم العملية بشكل صحيح، وتوفيرها، وتزويدها بالأدوات اللازمة. بشكل عام، يبدو لي أن السعودية اليوم تبدو مؤثرةً للغاية كواحدة من أهمّ القوى الإقليمية الفاعلة. من الواعد جدًا إجراء مفاوضات داخل دولةٍ كهذه.
س: كيف تنظر إلى استهداف مقرّ الحكومة الأوكرانية؟ هل بدأت روسيا الآن تتجاوز الخطوط الحمر وتضرب هياكل الدولة الأوكرانية؟
ج: نعلم أنه في بداية الحرب، صرّح بوتين نفسه بأنه يريد تغيير الحكومة. ولماذا تعتقد الآن أنهم بدأوا بقصف مقرّات حكومية في كييف؟ دوافع روسيا هنا واضحة. فهم لا يستطيعون تحقيق أي نتائج على خط المواجهة. هناك معارك ضارية، لكن روسيا لا تتقدّم بشكل كبير في الجبهات وتتكبّد خسائر فادحة. لذلك، وعلى رأس هذه الخسائر، يفعلون اليوم أمرَين. الأوّل، هو توجيه ضربة موجعة إلى السكّان المدنيين. الهدف الرئيسي هو تحطيم معنويّات السكان نفسيًا.
أمّا الثاني فهو الضربات المباشرة ضدّ الهيئات الحكومية. لقد انتهكت روسيا ولا تزال تنتهك قواعد الحرب بحدّ ذاتها. ويجب أن نفهم أن روسيا لن تقاتل بأي طريقة أخرى، أي أنهم سيضربون البنية التحتية المدنية، والبنية التحتية السياسية، ومراكز صنع القرار. وهذا يجب مواجهته. من الضروريّ زيادة عدد أنظمة الدفاع الصاروخي في أوكرانيا، وزيادة الإمدادات. يجب أن نتحرّك تدريجيًا نحو أقصى إغلاق للسماء، باستخدام كلّ من الطيران التكتيكي والطائرات الاعتراضية بلا طيّار. نحن نتحدّث عن هذا مع الشركاء، والشركاء يدركون ذلك، الأوروبّيون والأميركيون. أعتقد أن هذه المهمّة ستُحلّ بحماية السكان المدنيين والبنية التحتية المدنية وسلطاتها في كلّ المناطق.
س: نسمع في الفترة الحالية عن مطالبة أوكرانيا بضمانات أمنيّة، ماذا تحتاج أوكرانيا لضمان أمن أراضيها بالكامل؟ وماذا حصلت عليه كييف من ضمانات أمنية في مؤتمر "تحالف الراغبين" في باريس؟
ج: هناك عمليتان متوازيتان. الأولى هي نهاية الحرب بحدّ ذاتها في سيناريوات مختلفة. وهذا ما تفعله إدارة ترامب، أي أنها تريد وقف الحرب، وتبحث عن أدوات للتأثير على روسيا، وعن فرص للقيام بذلك. وهناك عملية ثانية، وهنا، تلعب الدول الأوروبّية الدور الرئيسي. وهذا ما ينبغي أن يكون عليه الهيكل الأمنيّ بعد انتهاء الأعمال العدائية. تنفذ أوكرانيا عدّة جوانب في هذا الاتجاه.
الأوّل هو الاستثمارات المشتركة للقوات المسلّحة في أوكرانيا، التي يجب أن تكون واسعة النطاق، وأن تُغلق الحدود الشرقية بالكامل، أي الحدود مع روسيا. بالطبع، هذه هي الحدود الشرقية بالنسبة إلينا، وبالنسبة إلى أوروبا، سيُنظر إليها كما كانت خلال الحرب الباردة. من حيث المبدأ، هذا هو الاتجاه الأوّل، وهي استثمارات مشتركة كبيرة ومهمّة في جيش أوكرانيا الكبير.
الاتجاه الثاني هو استثمارات كبيرة في الإنتاج العسكري، خصوصًا في معهد أبحاث الدفاع والمعايير العسكرية. في الاتجاه الأوّل، هناك تفاهم مع زملائنا الأوروبّيين. أعتقد أننا سنتوصّل إلى اتفاق هنا. الاتجاه الثاني نعمل عليه الآن. أمّا الثالث، فهو بالطبع، وجود وحدات عسكرية أجنبية. احتمال وجود وحدات عسكرية أجنبية على أراضي أوكرانيا. تُناقش حاليًا سيناريوات مختلفة. هذا نقاش صعب ويجري داخل دول مختلفة، ولكن، مع ذلك، سيعني هذا أن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من أوروبا. أمّا الاتجاه الرابع، فهو قواعد الصواريخ كقوّة ردع تضمن سلامة البلد، ويجب أن تكون منتشرة على طول الخط. وأخيرًا، هناك آليّة واضحة لفرض العقوبات تلقائيًا. هذه هي الاتجاهات الرئيسية. هناك تقدّم كبير في مكان ما، وهناك مناقشات في مكان ما. ومع ذلك، فإن أوروبا مهتمّة للغاية بهذا الأمر. علينا الانتظار قليلًا، حتى يتمّ تضمين هياكل ملزمة قانونًا لهذه الضمانات الأمنية.
س: اللغة الروسية أحد أسباب الحرب الرئيسية بالنسبة إلى موسكو. نحن نتحدّث الروسية الآن. قال بوتين إن أحد أسباب الحرب أن الأوكرانيين يرفضون اللغة الروسية. ما رأيك أو ردّك على هذه الحجّة؟
ج: قد يقول قائلٌ: أيّ لغةٍ يتحدّثها بوتين؟ بوتين يكذب بالتأكيد. لم تكن هناك أي مشكلات مع أي لغة في أوكرانيا. أوكرانيا ملتزمة بالإعلان الأوروبي للحقوق، واحترام حقوق الأقليات اللغويّة. سبب الحرب ليس اللغة إطلاقًا. سبب الحرب هو محاولة روسيا العودة إلى هيكل الاتحاد السوفياتي، ومناطق النفوذ. وبالتالي، كراهية أوكرانيا، والرغبة في تدمير أراضيها، وتدمير أصالتها.
في أوكرانيا، تُستخدم أي لغة بشكلٍ قانوني تمامًا، اللغة الروسية، ولغة أي أقلية، المجرية، والبولندية، والقبرصية، والإنكليزية. نعم، بالطبع، تمّ إدخال اللغة الإنكليزية. هنا من الضروري فهم ما يلي. هناك لغة رسمية أساسية، وهي الأوكرانية، وكما هو الحال في أي بلد آخر، فإن اللغة الوطنية حاضرة دائمًا كلغة رسمية. وكما هو الحال في أي بلد آخر، فإن تطبيق واستخدام أي لغة على وجه الخصوص مضمون. لكنني أؤكّد مرّة أخرى، أن بوتين، بالطبع، يُفسد كلّ شيء في هذا الصدد. رغبة أوكرانيا في أن تكون لها لغة رسمية أو كنيسة أوكرانية موحّدة. نعم، كلّ هذا تستخدمه روسيا فقط لأغراض دعائية.
س: قال بوتين في بكين إن الرئيس زيلينسكي هو رئيس غير شرعي لأن ولايته قد انتهت ولم تكن هناك انتخابات رئاسية. ما هو ردّك على الكلام الذي تسوّقه روسيا عن عدم شرعية رئيس أوكرانيا؟
ج: ليس من شأن بوتين تقييم الشرعية القانونية أو عدم الشرعية لبعض قادة الدول الأخرى. بالنسبة إليه، ليس لدى بوتين أي عيوب. بالطبع، سيكون من المرغوب فيه أن يُقدّم بوتين إجابة أوّلًا حول كيف يمكن للمرء أن يكون رئيسًا 6 مرّات متتالية، في بيئة غير تنافسيّة. بالعودة إلى شرعية الرئيس زيلينسكي، فلا شك فيها، وهو ما تؤكّده الاتصالات المباشرة بين الرئيس زيلينسكي وجميع القادة العالميين، بمَن فيهم، بالمناسبة، زعيم الصين. إنهم جميعًا يعترفون بالوضع القانوني غير المشروط لرئيس أوكرانيا. بالطبع، أصبح إجراء الدورات الانتخابية مستحيلًا بسبب فرض الأحكام العرفية في كافة أنحاء أوكرانيا بسبب الحرب. وبالطبع، تُلغي الأحكام العرفية الإجراءات الديمقراطية موَقتًا. من المستحيل إجراء انتخابات اليوم لأسباب أمنية.
ولكن مع ذلك، أؤكّد مرّة أخرى أن شرعية الرئيس زيلينسكي، بلا شك، تتجلّى في اتصالاته المباشرة مع قادة الولايات المتحدة والصين وكلّ الدول الأوروبّية، وما إلى ذلك. أمّا بالنسبة إليّ، فعلى العكس من ذلك، فإن شرعية بوتين غامضة، لأنه مخطئ. لقد مرّر الإجراءات الانتخابية، وهو مغتصب للسلطة، بشكل غير مشروط، منتهكًا الدستور الروسي.
س: قبل أسبوعين، قُتل رئيس مجلس النواب الأسبق أندريه باروبي. هل هناك علاقة لروسيا في اغتيال هذا الشخص الذي كان من قادة ثورة الميدان عام 2014؟
ج: يجب على أجهزة إنفاذ القانون التعليق على قضية مقتل السيّد باروبي، خصوصًا أنها تُجري تحقيقًا فعّالًا، وقد اعتُقل المشتبه فيه. بالطبع، هذه خسارة كبيرة للدولة الأوكرانية. لكن بالطبع، روسيا مهتمة بالتأثير على أوكرانيا من خلال هذا النوع من الهجمات الإرهابية، والقتل، والاغتيالات السياسية. هناك عدد من الأشخاص الذين تنظر إليهم روسيا نظرة سلبية للغاية، باعتبارهم أشخاصًا يتخذون موقفًا مؤيّدًا لأوكرانيا حصرًا، وستسعى روسيا دائمًا إلى اغتنام الفرص لإقصائهم.
س: بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، ما الذي تغيّر في ميخايلو بودولياك خلال هذه الفترة، وماذا تعلّمت من هذه التجربة كشخص يُشارك في صناعة القرار ومقرّب من زيلينسكي؟
ج: الجواب بالتأكيد صعب، نحن نعيش في حرب صعبة ومرحلة حسّاسة، علينا أن نكون أشدّاء لأن شعبنا بحاجة إلى الحماية، وهناك قرارات ثابتة لا تتغيّر، لا يمكننا التخلّي عن ثوابتنا عن حرّيتنا واستقلالنا، أؤمن أنه سيظلّ هناك دائمًا في العالم مؤمنون بقضيّتنا وحرّيتنا ويقدّمون لنا الدعم. وأيضًا هناك أوغاد يريدون سلبك شيئًا ما. وعلينا أن نكون مستعدّين لحماية كلّ ما هو حقنا، وكلّ ما هو عزيز علينا مثل وطننا.
من ناحية أخرى، أنا سعيدٌ جدًا بوجودي في أوكرانيا ودوري الذي أقدّمه لخدمة وطني، لأنه من الصعب أن تجدوا أمّة بهذه الإرادة القوية، مستعدّة لدفع أغلى الأثمان من أجل البقاء، أعني كدولة، بالطبع، كأمّة، ومستعدّة للقتال ضدّ عدوّ أكبر وأكثر ثراءً. وأوكرانيا، بالطبع، تبدو اليوم رائعةً في عيون نخب العالم، وتبذل الكثير من أجل أن يفهمها العالم.