الدكتور سايد حرقص

ما بعدَ بعد... باخرة الفيول: عقولٌ فاسدة

5 دقائق للقراءة

​تستمر أزمة الكهرباء في لبنان في لعب دور أساسي على المسرح السياسي اللبناني القائم على تصفية الحسابات. وآخر فصولها ارتبط بباخرة الفيول HAWK III التي تحوّلت خلال أيام إلى مادة سجالية سياسية وإعلامية.


​بينما يعاني اللبنانيون من مشكلة مزمنة في التقنين الكهربائي، بدا المشهد وكأنه عملية استغلال نفوذ لتشويه صورة وزير الطاقة على حساب المصلحة العامة، دون الاكتراث لغرق لبنان في الظلام الكامل وتضرّر مصالح اللبنانيين.


​فقد ضجّت فجأة وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار عن أن الفيول المحمل على باخرة HAWK III غير مطابق للمواصفات، وأن مصدر الشحنة الحقيقي لا يتوافق مع الأوراق المقدّمة، وذهب البعض إلى الإشارة إلى أن المصدر هو روسيا. وبناءً على هذه المعلومات، تقدَّم الوزير جو الصدّي بإخبار إلى القضاء للتحقّق من صحة المعلومات. وعلى إثره، أصدر القضاء قرارًا بوقف تفريغ الباخرة ريثما يتم التأكّد من جودة الفيول ومصدره.


​وقد أوضح الوزير الصدّي في مداخلة تلفزيونية عبر قناة MTV أنه مرتاح لمسار التحقيقات، مطالبًا بالتوسّع فيها لمعرفة كيف حصل البحّارة على جوازات السفر، والجهة التي سهّلت محاولة هروب الباخرة.


​بعد إجراء الفحوصات في ثلاثة مختبرات متخصصة خارج لبنان: Bureau Veritas في دبي، وLetrina في اليونان، وAmspec في إيطاليا، تبيّن أن الفيول مطابق للمواصفات. بناءً على ذلك، أعطت الوزارة الإذن بتفريغ الباخرة بعد أن أكد القضاء عدم وجود مانع.


​خلاصة الوقائع واضحة: الوزير قدّم إخبارًا للقضاء بناءً على معلومات متداولة، فأوقف القضاء التفريغ. أُجريت الفحوصات وتبيّن أن الفيول مطابق، فأجاز القضاء التفريغ. لكن الجمارك حاولت عرقلته بحجج واهية قبل أن ترضخ للقرار. مع العلم أن العقد المُوقَّع مع العراقيين عام 2024، في عهد الوزير السابق وليد فياض، يمنح الشركة الملتزمة والعراقيين صلاحية واسعة في توريد الفيول دون تدخّل الوزارة.


​اللافت كان تصرُّف المديرية العامة للجمارك، التي رفضت في البداية تنفيذ قرار المدعي العام التمييزي القاضي جمال حجار بالسماح بتفريغ الحمولة، بحجّة نقص في الأوراق. واعتُبر هذا التعطيل محاولة واضحة لاستغلال السلطة لإبقاء الوزير الحالي جو الصدّي في موقع "المقصِّر" أمام الرأي العام، عبر تكبيله بالمشاكل والعراقيل.


​ومع تفاقم الأزمة، تدخّل القضاء مجدداً مؤكداً أنه لا مانع من التفريغ، فجرى تفريغ جزء من الحمولة في معمل الزوق. غير أن الجمارك عادت ومنعت التفريغ في معمل الجيّة، إلى أن تدخّل القضاء مرة أخرى وأُفرِغت الحمولة بالكامل. وقد ذكرت بعض المصادر الصحفية أن المقصود من العرقلة الثانية هو أن تستمر كهرباء لبنان بتزويد المناطق ذات الأغلبية المسيحية بالكهرباء وحرمان المناطق ذات الأغلبية المسلمة، مما يؤدي إلى أزمة كهرباء طائفية في البلاد. وبعد انتهاء تفريغ الحمولة، حاولت الباخرة مغادرة المياه اللبنانية قبل التحقق من مصدر الشحنة، فتدخّل الجيش وأوقفها على بُعد 30 ميلاً بحرياً.


​يؤكد المتابعون أن هوية الجهات التي بدأت بنشر الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي عن نوعية ومصدر الفيول ثم شنّت حملة إعلامية على الوزير باتت معروفة، وهدف الحملة لم يكن بريئًا أو عفويًا، بل هو جزء من بروباغندا سياسية-إعلامية تهدف إلى تضخيم القضية في محاولة لإبقاء صورة "الفشل" ملاصقة للوزير الحالي، وإظهار أن أي إنجاز في ملف الكهرباء لا يمكن أن يتحقق إلا تحت مظلة التيار الوطني الحر. واللافت أن الجيش الإلكتروني للتيار وبعض المنابر الإعلامية المقرّبة منه لعبوا دوراً محورياً في عملية تسويق ونشر الأخبار. وقد أشارت مصادر صحفية إلى انزعاج النائب جبران باسيل شخصيًا من تشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء بعد أقل من عام على تعيين الصدّي، في وقت أحجم فيه التيار عن اتخاذ هذه الخطوة طوال 17 عامًا، رغم مطالبة الدول المانحة بها منذ عام 2001.


ومن المعروف أنه ​منذ عام 2008 وحتى سنة 2024، تعاقب على وزارة الطاقة سبعة وزراء محسوبين على التيار الوطني الحر: آلان طابوريان (2008 ـ 2009)، جبران باسيل (2009 ـ 2014)، آرثور نظريان (2014 ـ 2016)، سيزار أبي خليل (2016 ـ 2018)، ندى البستاني (2019 ـ 2020)، ريمون غجر (2020 ـ 2021)، وليد فياض (2021 ـ 2024). وجميعهم خرجوا مثقلين بفشل ملف الكهرباء وباتهامات الهدر والتقصير. واليوم يُطرح السؤال: هل يحاول التيار، بعدما "أحرق" وزراءه السابقين خلال 17 عامًا، أن يستغل ما تبقّى من نفوذه داخل الإدارة الرسمية لتعطيل عمل الوزير جو الصدّي؟


​في جوهرها، تكشف القضية أن ملف الكهرباء لم يعد تقنياً أو مالياً فقط، بل تحوّل إلى ورقة ضغط بامتياز في لعبة البروباغندا السياسية اللبنانية. فالتيار الوطني الحر، الذي أمسك بوزارة الطاقة لأكثر من عقد ولم ينجح في إخراج لبنان من العتمة، يبدو اليوم في موقع من يريد منع خصومه من تحقيق أي إنجاز، ولو على حساب استمرار الأزمة.


​القضية إذن أبعد من باخرة فيول، إنها مرآة لأساليب سياسية بدأت تطفو على سطح المشهد اللبناني مع انتشار الحالة العونية القائمة على إلغاء الآخر وتشويه صورته، بغض النظر عن انعكاسات ذلك على الشعب. فالهجوم الإعلامي والسياسي تجاوز حدود الكهرباء ليصبح جزءاً من اللعبة الشعبوية الهادفة إلى تشويه صورة الخصم، ولو على حساب مصلحة البلد.


​ويبقى السؤال: هل ينجح القضاء في فرض قراراته لمصلحة الشعب؟ أم سيواصل الهوس السياسي التدميري مساره عبر استغلال أدوات الدولة لإفشال الخصوم، ولو بثمن إبقاء لبنان في العتمة؟