لم يكن الإعلان الذي نشره رئيس مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي الدكتور هاني شعراني عن انطلاق أعمال صيانة مبنى الإدارة دون أي كلفة على الدولة، وبفضل دعم أصحاب الأيادي البيضاء... مجرّد إعلان عن تأهيل المبنى، بل كان إعلانًا عن عودة الحياة إلى المعرض وإلى طرابلس بعد عقود طويلة من السُّبات والغيبوبة السياسية والتنموية، وإعلانًا لاستعادة الثقة بالوافدين الجدد على إدارة مرافقها وبإمكانية نهوض مدينة تمتلك كلّ مقومات النهضة والازدهار... إنّه إعلان عن تحرير معرض طرابلس من الجمود والقيود، بعد أن كان الرئيس نواف سلام قد باشر تحرير الإنماء في الفيحاء وعموم الشمال.
ما يحصل في طرابلس مهمٌّ وكبير، ولا يُقلِّل من أهميّته أنّه يحصل بهدوء ومن دون مزايدات، على الأرجح لأنّ نوّاب المدينة غير مهتمين بمسار الترتيبات الاقتصادية والتنموية، وهم عندما جال الرئيس سلام في المعرض تركوه بعد حضورهم اللحظة الاحتفالية يومها، فقد استعادت الإدارة بحيوية الدكتور هاني شعراني المبادرة وأعادت الحياة والانتظام إلى المعرض كمؤسّسة جادّة وواعدة، وإضافة إلى الأنشطة الترويجية لهذا المرفق، فإنّ بشائر احتضان الأنشطة الاقتصادية قد بدأت تظهر بهدف إحياء وتنشيط دور المعرض عبر تنظيم مؤتمرات ومعارض متخصّصة في مجالات التكنولوجيا، والـ ICT، والذكاء الاصطناعي من خلال تعاون بين "جمعية المعلوماتية المهنية في لبنان" برئاسة كميل مكرزل، ولجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسة الدكتور خالد مع الدكتور هاني شعراني، ورئيس غرفة التجارة والصناعة توفيق دبوسي لتنظيم حدث اقتصادي كبير في المعرض، يكون باكورة الأحداث الاقتصادية الوازنة في المرحلة المقبلة.
ما يجري في طرابلس مهمّ أيضًا نظرًا للتوأمة الحاصلة بين إدارتي معرض طرابلس وغرفتها في عملية تكامل تعكس إمكانية التعاون عندما تتوفر الإرادات، وبدأت بلدية طرابلس واتحاد بلديات الفيحاء بالانضمام إلى هذا التعاون مع حضور إدارة مرفأ طرابلس، وهو ما يُنتظَرُ أن يُنتِج مسارًا جديدًا يؤدي إلى تفعيل هذه المرافق وإلى ولادةٍ تنفيذية للمنطقة الاقتصادية الخاصة بمواصفاتٍ تسودها كفاءة الاختيار لفريقها الجديد، بعد أن خضعت لسلسلة طويلة من الخنق والإهمال وسوء الاستغلال.
أمّا نوّاب طرابلس، فإنّهم في غفلة عن كلّ ما يجري، فقد تركوا ملفات المدينة وقرّروا الالتفات إلى الاتجاهات الشعبوية، من دعم سائقي التكتوك المخالفين والضغط على وزارة الداخلية لتركهم يعيثون الفوضى في الشوارع والأحياء... إلى تنظيم التكريم للمرجعيات على قاعدة "شوفيني يا منيرة" إلى الغياب الكلّي عن متابعة شؤون وأولويّات وحقوق طرابلس المستباحة والمحاصرة برمي النفايات على مداخلها والعجز عن تشغيل محطة التكرير فيها، واستمرار تعطيل المسلخ واللائحة تطول... وحده رامي فنج، النائب الذي سلبه فيصل كرامي نيابته بالوقوف على أبواب "حزب اللّه" والرئيس نبيه بري، يعمل بعيدًا من الأضواء في متابعة كلّ هذه الملفات مع الرئيس نواف سلام ومع المعنيين في الدولة وفق منهجية علمية تراكمية، بعيدة من الشعبوية المبنية على تثبيت الواقع السيّئ وعدم الاتجاه نحو التغيير والتطوير.
الغريب في سلوك النواب أنّهم يهملون طرابلس بينما جبران باسيل الذي سبق أن تطاول عليها بيده ولسانه، واقتحم بعض جنباتها بالقوة المؤلّلة والسلبطة والبلطجة... عاد إليها معتذرًا يخطب ودّ أهلها عندما استضاف نفسه في مطاعمها وتحدّث عن مميّزاتها التي لم يكن يراها في ذروة تجبّره... عندما ظنّ أنّ السلطة ستدوم له، وهي لم تدم لغيره... لكنّ خطابه لم يلق الصدى المنتظَر منه، لأنّ اللبنانيين صاروا يعرفون جبران المستعدّ للتلوّن حسب المصلحة، وهذا لا يدخل في دائرة اهتمامات الطرابلسيين بعد أن دخلوا مرحلة استعادة التوازن، لكنّهم يأسفون أن يتاجر جبران بملفات مدينتهم ونوّابهم غائبون.
تحتاج طرابلس إلى عناية فائقة من الدولة لضخّ الحياة في شرايينها الجافة، وزيارةُ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إليها رئيسًا ستكون إيذانًا بعودة الدولة إلى الفيحاء بعدالتها وقوتها، بعد أن كانت له مواقف لا تُنسى من أهلها عندما كان قائدًا للجيش، يوم أعلن من دار الفتوى أنّ طرابلس هي موئل الاعتدال وليست حاضنة للإرهاب مشدِّدًا على دورها المحوري في المعادلة الوطنية، فالطرابلسيون ينتظرون تعاون الرئيسين عون وسلام في دفع مشاريع المدينة إلى الأمام وأن يكون عون بينهم معلنًا فاتحة العهد الجديد في النهوض والإنماء... فعساه يكون قريبًا.