ايلي الياس

"ميثاقية" على المقاس: كيف يحوِّل "حزب الله" المبدأ الدستوري إلى أداة تعطيل؟

4 دقائق للقراءة

في سنة 2025 يقف لبنان أمام نافذة نادرة ليعود دولة مواطِنة تحتكر قرار الحرب والسلم، بعد نصف قرن من الحروب والوصايات والانهيارات. ومع كل محاولة مؤسساتية للعبور نحو "حصرية السلاح" وفرض سلطة الدولة كما في مقررات 5 و7 آب و5 أيلول يُشهر "حزب الله" فزّاعة "الميثاقية". المفارقة أنّ "الحزب" نفسه عطّل الميثاقية كلما اتخذ قرارات الحرب والسلم منفردًا، من فتح جبهة الجنوب بعد 7 تشرين الأول 2023، إلى انخراطه في الحرب السورية خلافًا للسياسة اللبنانية الرسمية، مرورًا بحرب 2006. هنا تتبدّى الازدواجية: الميثاقية واجبة حين تعطّل الدولة، وتسقط حين تُفرَض أجندة "الحزب".


الميثاقية في فلسفتها اللبنانية ليست "حق نقض طائفي" يعلو على الدستور، بل ضمانة توافُق وطني يُصان داخل المؤسسات ومن خلالها. حين تتحوّل إلى عصا تهديد لتعليق جلسات الحكومة أو لانسحاب وزراء "الثنائي" منها، تُفرغ من معناها وتُستَخدم ضدّ غايتها: حماية الدولة لا مصادرتها. لكن بعد يوم واحد على 7 تشرين الأول 2023، بادر "حزب الله" إلى فتح النار على شمال إسرائيل "إسناداً لغزة"، ما ترتّب عليه تهجيرٌ متبادل ودمار واسع في القرى الجنوبية، وخسائر كبرى انتهت باغتيال أمينه العام السابق. لم تُعر هذه القرارات أي اعتبار لتوافق لبناني، ولا لسلطة مجلس الوزراء المرجعية في الحرب والسلم. وقبل ذلك، زُجّ لبنان في الحرب السورية خلافًا للسياسة الرسمية. لم تُستَفتَ الدولة، ولم يُبحث الأمر في إطار توافقي جامع. الميثاقية هنا صامتة.

في المقابل، ما إن تذهب الحكومة نحو قرارات سيادية كالتزام وقف إطلاق النار في 7 آب، تثبيت مسار حصرية السلاح في 5 آب، ومتابعة التنفيذ في 5 أيلول، حتى يُلوّح "الحزب" بشعار "غياب الميثاقية"، وتُستخدم المقاطعة والانسحابات لفرملة المسار. والأدهى أنّ التلويح مؤخراً بوقف التعاون مع الجيش جنوب الليطاني خرج من منابر "الحزب" ثم سُحب سريعًا بعدما أدّى غرض الضغط، وهو اعتراف ضمني بأنّ "الميثاقية" ليست مبدأً يُحتكم إليه بل ورقة ضغط حين تهدِّد مقررات الدولة سلاحه. وفي موازاة ذلك، تُرفع السقوف الخطابية لشدّ العصب في بيئته، فيما تُدار قنوات تواصل مع رئاسة الجمهورية حول "استراتيجية أمن وطني" تُبقي النقاش مؤجلًا إلى ما بعد الانتهاء من "التصوّر" أي إرجاء التطبيق مع المطالبة بشراكة تعريفية تمنح السلاح حق الفيتو على الدولة.

الميثاقية ليست حمايةً لسلاح خارج الدولة، بل حماية للتعددية تحت سقف الدولة. معيارها عملي وبسيط: قرار الحرب والسلم حصرًا في مجلس الوزراء، واحتكار السلاح وظيفة سيادية غير قابلة للتجزئة. وأي "استراتيجية أمن وطني" لا تُلزِم كل السلاح بقيادة الدولة، ليست ميثاقية بل هي ترتيب تقاسُم للسيادة.

حتى لا تضيع الفرصة التاريخية الراهنة ينبغي وضع جدول زمني واضح لاستيعاب السلاح تحت قيادة الجيش، مع مشاريع إعادة إعمار مرئية تُنفذ بإمرة الدولة لتبديد المخاوف وتثبيت شرعية الاحتكار. ويجب فصل "الخدمات" عن "السلاح" بتحويل شبكات الرعاية إلى الدولة والبلديات، واعتماد سياسة تواصل وطنية داخل البيئة الشيعية تعترف بمخاوفها وتقدم بديلًا أمنيًا وخدماتيًا ملموسًا بقيادة الدولة، لا خطابًا يزيد الاستقطاب. بالتوازي، يتطلب الأمر دبلوماسية واقعية تثبّت وقف النار وتُحدث إطار هدنة محدثة مع إسرائيل، وتؤمّن شراكات دعم للجيش وإعادة الإعمار تُصرَف عبر المؤسسات الوطنية حصرًا.

الخلاصة أن "الميثاقية" في قاموس "حزب الله" تُستحضر حين تهدد قرارات الدولة سلاحه، وتُنفى حين يفرض أجندته على الدولة. هذه ليست ميثاقية؛ هذا ميزان قوّة فوق الدستور. إن كانت 5 و7 آب و5 أيلول محطات بداية، فامتحانها الحاسم هو: هل نُبقي "الميثاقية" حقًّا جامعً لحماية الدولة، أم نتركها شعارًا يُستدعى على الطلب لحماية سلاحٍ خارجها؟ الميثاقية الحقيقية اليوم اسمها واحد: سيادة الدولة، كاملة وغير منقوصة.