جويل غسطين

مسرحيّة من ذاكرة كاتبتها

"طربوش جدّي معلّق" في وطن تصعب مغادرته

5 دقائق للقراءة
من حكاية فرديّة إلى سرديّة جماعيّة

من حكاية فرديّة إلى سرديّة جماعيّة، تحمل مسرحيّة "طربوش جدّي معلّق" مشاهديها، مجسِّدةً التمزق بين البقاء والرّحيل، بين الحنين والخذلان، وبين حبّ لا يكتمل ووطنٍ لا يُشفى. المسرحيّة ليست مجرّد قصّة عاطفيّة بين "هلا" و "ابراهيم"، بل مرآة جيلٍ تشكّل وَعيُه وسط أصوات القذائف وهاجر بحثًا عن حياةٍ أكثر أمانًا. فمن بيروت إلى باريس، مرورًا بمونتريال ودبي، تحمل "هلا" وطنها في حقيبة السّفر، فيما يبقى "ابراهيم" شاهدًا على وطنٍ تصعب مغادرته حتّى وإن أثقل القلوب بأحواله الصعبة.



وُلدت فكرة مسرحيّة "طربوش جدّي معلّق" التي انطلق عرضها في 11 أيلول الجاري، من ذاكرةٍ شخصيّة تحملها الكاتبة والممثّلة مروى خليل منذ طفولتها. ففي سنوات الحرب الأهليّة اللّبنانيّة، وجدت نفسها بعيدة من وطنها، تعيش في فرنسا وتراقب لبنان من مسافةٍ بعدما اختزنته في وجدانها كصورةٍ ناقصة ومشوّشة. لم تعرف خليل وطنها إلّا بعد اتفاق الطّائف وعودتها إليه، لتكتشف بيروت للمرّة الأولى بعيني "الفتاة الغريبة" التي تعود إلى أرضها، وتصطدم بواقع اجتماعي وثقافي مختلف عن كلّ ما اعتادته في الغربة. من هذه التجربة المزدوجة بين المنفى والعودة، وُلدت الحاجة إلى كتابة نصّ مسرحيّ يعكس التمزّق بين مكانَين وهويّتَين.


نصّ وأبعاد

البداية كانت عبر عملٍ قُدِّم تحت عنوان "طربوش جدّي معلّق في Tour Eiffel"، حيث طرحت خليل قصّتها الأولى. غير أنّ النصّ لم يتوقف عند تلك المرحلة، بل خضع لإعادة صياغة وتطوير بالتعاون مع المخرج رياض شيرازي، فأضافت الكاتبة أبعادًا جديدة: مدنًا أخرى تزورها البطلة "هلا" التي تجسّدها مروى خليل نفسها في رحلة بحثها عن الاستقرار، وشخصيّة "ابراهيم" التي يجسّدها الممثل جنيد زين الدين والذي يظهر كحبيبٍ، لكنها تقرأه أيضًا كرمزٍ للوطن. و "ابراهيم" في المسرحيّة، هو لبنان الّذي لا يبرح ذاكرة أبنائه، مهما ابتعدت أجسادهم عنه.

حتّى عنوان العمل المسرحيّ "طربوش جدّي معلّق"، ليس تفصيلًا عابرًا، بل يستند إلى تقليد لبناني قديم كان يرمز إلى الارتباط بالجذور: حين يهاجر الشاب من قريته، كان يترك طربوشه معلّقًا على شجرةٍ هناك، ليبقى شاهدًا على أصله وانتمائه. وفي المسرحيّة، يتحوّل الطربوش المعلّق إلى استعارةٍ لهويّةٍ تبحث عنها خليل، متأرجحة بين وطنَين، ومعلّقة بين ذاكرة الماضي وأسئلة الحاضر.



علاقة مستحيلة

في مسرحيّة "طربوش جدّي معلّق"، لا تقدّم مروى خليل مجرّد قصّة حبّ، بل تطرح سؤالًا أكبر حول علاقة اللّبناني بوطنه. علاقة تبدو أشبه بغرامٍ مستحيل: شغف لا يُخمد، لكنّه يصطدم دومًا بجدار الأزمات واللّااستقرار. كيف يمكن أن يُبنى مستقبل على أرض تهتزّ كلّ يوم؟ وكيف يُصان حبّ في بلدٍ لا يمنح أبناءه الطمأنينة؟

عبر حوارٍ بين شخصيّتَين، تجسّد المسرحيّة ذلك التمزق الأبديّ بين رغبةٍ في البقاء وحلم بالرّحيل، بين التعلّق بذاكرة الوطن والبحث عن حياةٍ آمنة خارجه. إنّه صراع أجيال كاملة، عالقة بين قلبٍ لا يتوقّف عن الحنين وواقعٍ يصرّ على الخذلان.



باب جديد 

يجسّد الممثل جنيد زين الدين الذي يؤدّي شخصيّة "ابراهيم"، الشاب اللبنانيّ الذي يصرّ على البقاء في البلد رغم الصّعوبات، مؤمنًا بقدرة بلده على النهوض، ومتمسّكًا بحبّه لـ "هلا". جذب النصّ زين الدين بما يحمله من كوميديا خفيفة ورسالة عميقة في آنٍ واحد، على ما يقول لـ "نداء الوطن"، معتبرًا أنّ هذه التّجربة فتحت بابًا جديدًا أمامه في مسيرته الفنّية. فبعد مشاركاته في أفلام سينمائيّة ومسلسلات تلفزيونيّة وعروض "ستاند أب كوميدي"، يخوض زين الدّين للمرّة الأولى تجربة المسرح التي يراها إضافة نوعيّة وخطوة تمهيديّة لأعمالٍ مسرحيّة مقبلة.



تكامل النص والإخراج 

النّص في "طربوش جدّي معلّق" يفرض إيقاعًا سريعًا، كما يرى الكاتب والمخرج رياض شيرازي، مع انتقالاتٍ متلاحقة بين المَشاهد، وهو ما وضعه أمام تحدّيات إخراجيّة معقّدة، بحسب ما يقول لـ "نداء الوطن"، خصوصًا على مستوى الإضاءة والدّيكور والموسيقى. لكنّ التحدّي الأكبر، بحسب شيرازي، كان الحفاظ على الجوهر الإنساني العميق للنّص، من دون أن يطغى عليه هذا الإيقاع المسرحيّ المتسارع. ويُشير شيرازي إلى أن ما يمنح العمل فرادته هو التكامل بين النص والإخراج وعدد الممثلين المحدود، إلى جانب السّينوغرافيا المصمَّمة خصّيصًا لخلق جوّ مسرحيّ خاصّ يميّز "طربوش جدّي معلّق" عن سواها من العروض.


حين يُعلَّق "طربوش الجدّ" على الحائط، لا يبقى مجرّد قطعة قماش بالية، بل يتحوّل إلى مرآة لذاكرةٍ مثقلة بالرّحيل، بالوعود المكسورة، وبحبّ يصرّ على البقاء. بين خيوط الماضي وارتباك الحاضر، يقف لبنان كرمزٍ يتجاوز حدود السّياسة، ليصبح هويةً عميقة وجرحًا مفتوحًا وحلمًا متجدّدًا. فتُعيد "طربوش جدّي معلّق" طرح السّؤال الذي يلاحق كلّ لبنانيّ: ماذا يعني أن تحبّ وطنًا لا يكفّ عن امتحانك؟ في ساعةٍ وخمس عشرة دقيقة، تتشابك الكوميديا مع الرّومانسية على "مسرح المونو"، والذّاكرة مع الحنين في عروض تتواصل حتى نهاية شهر أيلول الجاري.



الممثل جنيد زين الدين

الممثلة والكاتبة مروى خليل

مروى خليل في المسرحيّة

خليل وزين الدين خلال العرض

مروى خليل وجنيد زين الدين