القمة العربية - الإسلامية: لمراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل

11 دقيقة للقراءة

اعتبر البيان الختامي للقمة العربية - الإسلامية الطارئة التي احتضنتها الدوحة أمس لبحث الهجوم الإسرائيلي عليها، أن "العدوان الإسرائيلي الغاشم على دولة قطر الشقيقة، واستمرار الممارسات الإسرائيلية العدوانية، بما في ذلك جرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والتجويع والحصار، والأنشطة الاستيطانية والسياسية التوسعية، إنما يقوّض فرص تحقيق السلام والتعايش السلمي في المنطقة ويهدّد كل ما جرى إنجازه على طريق إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل، بما في ذلك الاتفاقات القائمة والمستقبلية"، داعيًا "كافة الدول إلى اتخاذ التدابير القانونية والفعالة الممكنة لمنع إسرائيل من مواصلة أعمالها ضدّ الشعب الفلسطيني، بما في ذلك دعم الجهود الرامية إلى إنهاء إفلاتها من العقاب، ومساءلتها عن انتهاكاتها وجرائمها، وفرض العقوبات عليها، وتعليق تزويدها بالأسلحة والذخائر والمواد العسكرية أو نقلها أو عبورها، بما في ذلك المواد ذات الاستخدام المزدوج، ومراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية معها، ومباشرة الإجراءات القانونية ضدّها".



وأكد البيان الختامي "التضامن المطلق" مع قطر "ضدّ هذا العدوان الذي يُمثل عدوانًا على كلّ الدول العربية والإسلامية، والوقوف مع دولة قطر الشقيقة في كلّ ما تتخذه من خطوات وتدابير للردّ على هذا العدوان الإسرائيلي الغادر"، مشدّدًا على "ضرورة الوقوف ضدّ مخطّطات إسرائيل لفرض أمر واقع جديد في المنطقة، والتي تشكّل تهديدًا مباشرًا للاستقرار والأمن الإقليمي والدولي، وضرورة التصدّي لها". وحض البيان الدول الأعضاء في "منظمة التعاون الإسلامي" على "النظر في مدى توافق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة مع ميثاقها، بالنظر إلى الانتهاكات الواضحة لشروط العضوية والاستخفاف المستمرّ بقرارات الأمم المتحدة، مع التنسيق في الجهود الرامية إلى تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة". ورحّب بانعقاد مؤتمر "حل الدولتين" برئاسة مشتركة بين السعودية وفرنسا، الذي سيُنظم في نيويورك الإثنين المقبل، داعيًا إلى تكاتف الجهود الدولية لضمان الاعتراف الواسع بدولة فلسطين المستقلّة. وحذر من "التبعات الكارثية لأي قرار من قِبل إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بضمّ أي جزء من الأرض الفلسطينية المحتلّة، والتصدّي له باعتباره اعتداء سافرًا على الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني". 



رسالة في وجه الإرهاب

وبينما حذر البيان الختامي من أن "العدوان على الأراضي القطرية، وهي دولة تعمل كوسيط رئيسي في الجهود المبذولة لتأمين وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على غزة، وإطلاق سراح الرهائن والأسرى، يُمثل تصعيدًا خطرًا واعتداءً على الجهود الدبلوماسية لاستعادة السلام"، أكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد بعد نهاية القمة أن الأخيرة شكّلت "رسالة واضحة في وجه إرهاب الدولة الإسرائيلي بحق منطقتنا، وستسهم مخرجاتها بشكل فاعل في تكثيف عملنا المشترك وتنسيق مواقف وتدابير بلداننا، بما يوحّد الكلمة والصف، مع شكرنا للأشقاء على تضامنهم مع دولة قطر وشعبها في هذا الهجوم الغادر". وكان قد تحدّث خلال افتتاحه القمة عن أن "عاصمة بلدي تعرّضت لاعتداء غادر استهدف مسكنًا تقيم فيه عائلات قادة "حماس" ووفدها المفاوض"، موضحًا أنه "عندما وقع الاعتداء الغادر كانت قيادة "حماس" تدرس اقتراحًا أميركيًا (لوقف النار في قطاع غزة) تسلّمته منا ومن مصر".



ولفت بن حمد إلى أن "موقع اجتماع قادة "حماس" كان معروفًا للجميع"، متسائلًا: "إذا كانت إسرائيل تريد اغتيال القيادة السياسية لحركة "حماس"، فلماذا تفاوضها؟". وحسم أن "من يعمل على نحو مثابر ومنهجي على استهداف طرف تفاوضي، فإنه يعمل على إفشال المفاوضات"، جازمًا بأن القطريين "عازمون على فعل كلّ ما يلزم للحفاظ على سيادتنا ومواجهة العدوان الإسرائيلي". ودعا إلى "اتخاذ خطوات ملموسة لمواجهة حال جنون القوّة والتعطش للدماء التي أصيبت بها إسرائيل، عبر استمرار حرب الإبادة والاستيطان، واستمرار التدخل في شؤون الدول العربية، والاعتداء على قطر".



ورأى بن حمد أن "الحرب الإسرائيلية على غزة تحوّلت إلى حرب إبادة"، متهمًا إسرائيل بأنها "تريد جعل غزة غير صالحة للعيش تمهيدًا لتهجير سكانها"، كما اتهمها بأنها "تعمل على تقسيم سوريا"، متوعّدًا بأن "مخطّطاتها لن تمرّ". وأشار إلى أنه "في لبنان يواجه قبول الحكومة اللبنانية بورقة أميركية بالقصف والاغتيالات، وتسعى إسرائيل إلى الزج به في حرب أهلية لوقف اعتداءاتها عليه". واعتبر أن "نتنياهو يحلم أن تصبح المنطقة العربية منطقة نفوذ إسرائيلية وهذا وهم خطر"، مشدّدًا على أنه "لو قبلت إسرائيل مبادرة السلام العربية لوفرت على المنطقة بأسرها ما لا يحصى من مآسٍ".


وعقد بن حمد اجتماعًا تشاوريًا مع قادة دول "مجلس التعاون الخليجي" ورؤساء الوفود. وأكد البيان الختامي الصادر عن الدورة الاستثنائية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون في شأن الاعتداء الإسرائيلي على قطر أنه "من منطلق ما يؤكد عليه النظام الأساسي لمجلس التعاون على أن أمن مجلس التعاون كلّ لا يتجزأ، فقد وجّه القادة مجلس الدفاع المشترك في مجلس التعاون بعقد اجتماع عاجل في الدوحة، يسبقه اجتماع للجنة العسكرية العليا، لتقييم الوضع الدفاعي لدول المجلس ومصادر التهديد في ضوء العدوان الإسرائيلي على دولة قطر الشقيقة وتوجيه القيادة العسكرية الموحّدة لاتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتفعيل آليات الدفاع المشترك وقدرات الردع الخليجية". ورأى أن "استمرار هذه السياسات العدوانية يُقوّض جهود تحقيق السلام ومستقبل التفاهمات والاتفاقات القائمة مع إسرائيل، لما يحمله ذلك من تداعيات خطرة على استقرار المنطقة بأسرها".


توازيًا، أشاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بنتائج القمتين "الخليجية" و"العربية - الإسلامية" في الدوحة، اللتين أكدتا دعم كافة الدول المشاركة لموقف قطر في مواجهة الاعتداء الإسرائيلي الغاشم، والرفض التام للخروج على مبادئ القانون الدولي وكل الأعراف الدولية. وجاء ذلك في برقية شكر بعثها بن سلمان لبن حمد. والتقى بن سلمان قادة الأردن وسوريا وإيران وتركيا والعراق وباكستان على هامش القمة العربية - الإسلامية.



ووجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في القمة تحذيرًا إلى الشعب الإسرائيلي من أن سياسات حكومته "تقوّض مستقبل السلام وتهدّد أمنكم، وتضع العراقيل أمام أي اتفاقات جديدة، بل وتجهض اتفاقات السلام القائمة مع دول المنطقة"، مشدّدًا على أنه "وحينها ستكون العواقب وخيمة بعودة المنطقة للصراع، وضياع مكاسب السلام، وهو ثمن سندفعه جميعًا من دون استثناء". وأعرب عن تضامن مصر الكامل مع قطر في مواجهة "العدوان الإسرائيلي الآثم"، معتبرًا أنه "سابقة خطرة" و"تهديد للأمن القومي العربي والإسلامي"، و"يعكس الممارسات الإسرائيلية التي تجاوزت كل منطق وتخطّت كل الخطوط الحمر".


في الأثناء، اعتبر الملك الأردني عبدالله الثاني أن الحكومة الإسرائيلية "تتمادى في هيمنتها لأن المجتمع الدولي سمح لها أن تكون فوق القانون"، حاسمًا أنه "علينا نحن في العالم العربي والإسلامي أن نراجع كلّ أدوات عملنا المشترك، لنواجه خطر هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة". وأوضح أنه "تمادت إسرائيل في الضفة الغربية في إجراءاتها غير الشرعية التي تعيق حل الدولتين، وتنسف فرص تحقيق السلام العادل، وتستمرّ في تهديد أمن واستقرار لبنان وسوريا، وها هي الآن تعتدي على سيادة قطر وأمنها"، فيما أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس الوقوف إلى جانب قطر في وجه الاعتداء الإسرائيلي، مطالبًا المجتمع الدولي بـ "تحمّل مسؤولياته ومحاسبة إسرائيل على جرائمها وعدوانها المتكرّر ضدّ شعوبنا وأمّتنا". ودعا إلى "اتخاذ إجراءات عملية ورادعة لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات"، مثمّنًا جهود السعودية وفرنسا في تحقيق المزيد من الاعترافات الدولية بدولة فلسطين.



في السياق، حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن "العدوان الإسرائيلي المتصاعد بات يشكل تهديدًا مباشرًا لمنطقتنا"، مشدّدًا على ضرورة "ممارسة ضغوط اقتصادية على إسرائيل وقد أثبتت التجارب السابقة نجاح هذه الضغوط". وأوضح أنه "يجب تطوير آليات التعاون المشتركة بين الدول الإسلامية"، لافتًا إلى أنه "يجب علينا الاكتفاء الذاتي في العديد من مجالات التنمية وتكثيف تعاوننا في هذه المجالات". وجزم بأنه "لا يمكننا قبول تهجير الشعب الفلسطيني ولا إبادته ولا التقسيم"، في حين اعتبر الرئيس السوري أحمد الشرع أنه "من نوادر التاريخ أن يُقتل المفاوض، ومن سابقة الأفعال أن يُستهدف الوسيط"، مؤكدًا أنه "أقف وشعب الجمهورية العربية السورية بأكمله إلى جانب الأشقاء في دولة قطر وفاء لها ولعدالة موقفها". ورأى أنه "ما اجتمعت أمّة ولمّت شملها إلّا وقد تعاظمت قوّتها، وما تفرّقت أمّة إلّا وقد ضعفت".


واعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي هاجمت بلاده قطر بصلية صواريخ باليستية في حزيران الماضي، أن الهجوم الإسرائيلي على قطر "محاولة لوقف جهود إنهاء الإبادة الجماعية في غزة"، مشدّدًا على أن "هذا الكيان يهاجم دولنا، ولا دولة عربية أو إسلامية بمنأى عن الهجمات الإسرائيلية، وأمامنا خيار وحيد صريح، وهو أن نتحد وأن نسعى إلى التحلّي بتعاليم النبي الذي قال إن المسلمين يجب أن يكونوا كجسد واحد"، في وقت دعا فيه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تشكيل تحالف واسع يضمّ الدول العربية والإسلامية لمواجهة التحدّيات الأمنية والاقتصادية، وتفعيل منظومة "الردع المشترك". وحض رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم على قطع العلاقات التجارية والدبلوماسية مع إسرائيل. ودعا رئيس وزراء باكستان شهباز شريف إلى وقف عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.


وشهدت القمة العربية - الإسلامية العديد من اللقاءات على هامشها، كان أبرزها لقاء بن حمد بالشرع، وبزشكيان، وأردوغان، والسيسي، والرئيس اللبناني جوزاف عون، وغيرهم من القادة. والتقى رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن بالمبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك الذي يزور الدوحة، بينما أفادت الخارجية الأميركية بأن الوزير ماركو روبيو سيزور قطر اليوم بعد انتهاء زيارته إلى إسرائيل. والتقى السوداني مع بزشكيان، فيما اجتمع أردوغان مع الشرع. 



روبيو في إسرائيل

في المقابل، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعًا موسّعًا في القدس مع روبيو، حيث شارك في الاجتماع، من بين آخرين، وزير الخارجية جدعون ساعر، ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، ورئيس مجلس الأمن القومي تساحي هنغبي. وبعد الاجتماع، اعتبر نتنياهو خلال مؤتمر صحافي مشترك مع روبيو أن زيارة الأخير "دليل قوي على متانة الروابط بين بلدينا"، رافضًا استبعاد شن المزيد من الهجمات على قادة "حماس" أينما كانوا. وعند سؤاله عن نتائج الضربة في الدوحة، أكد أن إسرائيل ما زالت تجمع التقارير، مشيرًا إلى أن "الضربة وجّهت رسالة واضحة إلى قادة "حماس": يمكنكم أن تحاولوا الهرب، لكننا سنجدكم". وأوضح أنه يُفضل استسلام "حماس" على استمرار القتال إن كان ذلك ممكنًا، من دون أن يتطرّق إلى وضع المفاوضات مع الحركة. وأشار إلى أن "إيران ما زالت تصرخ "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل"، لكن هذه التهديدات أصبحت أقلّ خطرًا بشكل كبير بفضل عزمنا المشترك وقرار الرئيس ترامب بضرب منشآتها النووية".



من جانبه، شدّد روبيو على أنه "نحن نركّز على الدور الذي يمكن أن تلعبه قطر الآن لضمان الإفراج عن الرهائن ومستقبل أفضل لسكان غزة"، لافتًا إلى أنه "لدينا علاقات جيّدة مع شركائنا في الخليج، ونحن نتحدّث معهم، والواقع أن هناك رهائن ما زالوا يحتجزون كلّ غزة كرهينة، إنهم أدوات للهمجية، والمستقبل غير ممكن حتى يُفرج عن كلّ رهينة، وسيتعيّن علينا مناقشة هذا الأمر مع شركائنا". وتعهّد بأن تقدّم واشنطن "دعمًا ثابتًا" لإسرائيل لتحقيق أهدافها في غزة، داعيًا إلى القضاء على "حماس". وفيما أوضح أن أميركا ستستمرّ في السعي إلى تسوية سلمية للحرب في غزة، اعتبر أن الحركة "منظمة إرهابية، مجموعة همجية، ومهمّتها المعلنة تدمير الدولة اليهودية، لذلك لا نعوّل على أن يحدث ذلك". وكان لافتًا ما كشفه موقع "أكسيوس" أن نتنياهو أبلغ ترامب صباح الثلثاء الماضي بأن إسرائيل تعتزم مهاجمة قادة "حماس" في قطر قبل حصول الضربة.



كما كشف روبيو أنه ناقش مع نتنياهو الملف الإيراني، حاسمًا أن "إيران نووية تملك صواريخ تمثل خطرًا غير مقبول على العالم بأسره". وأكد أن واشنطن تواصل حملة "الضغوط القصوى" ضدّ الملالي حتى تغيّر طهران مسارها، في وقت حسم فيه وزير الطاقة الأميركي كريس رايت خلال المؤتمر العام السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أنه يتعيّن تفكيك برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم بالكامل.