منذ بداية حرب غزة الأخيرة، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى إعادة رسم معادلات القوة في المنطقة، عبر تكثيف الضغط العسكري وفرض وقائع جديدة على الأرض. غير أن قمتَي الدوحة، العربية والإسلامية، اللتين التأمتا مؤخرًا، جاءتا كرد جماعي غير مسبوق لتوحيد الصف في مواجهة هذه الطموحات. فالسؤال اليوم: هل تستطيع هذه الجبهة الواسعة، بقيادة المملكة العربية السعودية، أن تشكل رادعًا حقيقيًا أمام نتنياهو؟
أول ما يميز قمتي الدوحة هو الطابع الجامع، إذ بدا واضحًا أن السعودية هي المحرك الأساسي وصاحبة الرؤية الأشمل. فالرياض تعمل على قيادة مبادرة تستهدف إسرائيل ليس عسكريًا – حيث الغلبة لإسرائيل شبه محسومة – بل اقتصاديًا ودبلوماسيًا، وهو الميدان الذي يبدو أنه الأكثر إيلامًا لتل أبيب حاليًا. فإسرائيل اليوم في عزلة دبلوماسية غير مسبوقة، مع توجه متزايد من الدول الأوروبية، التي كانت تُعتبر أقوى حلفائها، نحو الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة.
في هذا الإطار، تتضح الخطة الاستراتيجية السعودية: مقارعة إسرائيل في ميادين الدبلوماسية وتعزيز الاستقرار، وهي نقاط ضعفها الحقيقية، وتجنب أي مواجهة في ميادين قوتها مثل الحروب المباشرة والفوضى. وعبر أدوات “القوة الناعمة”، من دعم اقتصادي، وتحالفات سياسية، وتحريك قنوات الضغط الدولية، تسعى الرياض إلى تحقيق نتائج ملموسة تفرض واقعًا جديدًا على إسرائيل من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير متكافئة.
في هذا السياق، يطرح خيار جريء على الطاولة: إعلان دولة فلسطينية بحدود واضحة، وبقيادة لا ترتبط بحماس، مع تأمين دعم مالي عربي واسع يضمن قدرتها على الصمود بوجه الضغوط الإسرائيلية. مثل هذا الإعلان، إذا نُفذ بدقة وبإجماع، سيشكل ضربة استراتيجية لنتنياهو، إذ يسحب ورقة “غياب الشريك الفلسطيني” التي طالما استخدمها لتبرير التوسع الاستيطاني ورفض الحلول السياسية.
دور الخليج هنا أساسي، ليس فقط في تمويل الدولة الفلسطينية، بل أيضًا في تثبيت استقرار دول الجوار. فالمساعدات الاقتصادية السعودية والقطرية والإماراتية يمكن أن تُوجَّه إلى مصر والأردن لتعزيز استقرارهما، بما يمنع إسرائيل من استخدام ذريعة “الفوضى على الحدود” للتدخل أو شن عمليات عسكرية.
أما في سوريا، فتشير المعطيات إلى أن الرياض تدعم الرئيس أحمد الشرع في مسار تثبيت سلطته وإعادة فتح قنوات التواصل مع واشنطن. هذا البُعد يهدف إلى إغلاق الجبهة الشمالية لإسرائيل، وضمان أن دمشق تتحول إلى عنصر استقرار لا إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وفي لبنان، تؤكد معلومات من مصادر استخباراتية سعودية أن المملكة تدير حربًا سياسية هادئة ضد حزب الله، تستهدف إضعافه وإنهاء هيمنته العسكرية والسياسية، بما يقطع الطريق أمام إسرائيل لاستخدام الحزب كذريعة لأي اعتداء.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستسمح الولايات المتحدة، الداعم الأول لإسرائيل، بنجاح هذه المبادرة التي من شأنها تقويض قوة تل أبيب وإعادة الاعتبار لدور عربي جامع لطالما عمل الغرب على محاصرته؟ فالتاريخ القريب يثبت أن واشنطن كانت تسعى دائمًا لإضعاف المحاور العربية، مقابل تعزيز نفوذ قوى إسلامية غير عربية كالأتراك والفرس، لإبقاء المشرق في حالة توازن هشّ يخدم المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية. وبالتالي، فإن موقف واشنطن سيحدد ما إذا كان المشروع العربي الجديد سيُكتب له النجاح أم سيتعرض لمحاولات إجهاض مبكرة.
باختصار، ما يخرج من قمتي الدوحة هو مشروع متكامل: بناء دولة فلسطينية مدعومة ماليًا ودبلوماسيًا، تحصين الدول العربية المحيطة، وتفكيك البؤر التي يستغلها نتنياهو للتهرب من الحلول السلمية. إذا ما كُتبت لهذا المشروع الاستمرارية والالتزام العربي، فإن إسرائيل قد تجد نفسها محاصرة سياسيًا واقتصاديًا على نحو غير مسبوق، ما يشكل بداية فعلية لكبح جماح سياسات نتنياهو العدوانية.