نبيل يوسف

أسبوع آب الأخير عام 1978 الذي بدّل وجه الأقضية الشمالية المسيحية (الجزء الخامس)

قصة الكمين في شاليهات الأرز: قرى دير الأحمر وبشرّي تواجه الجيش السوري

20 دقيقة للقراءة

في مقابل ما كان يجري في منطقة البترون، كانت منطقتا بشرّي ودير الأحمر تتعرّضان لما تعرّضت له البلدات البترونية:


فجر الجمعة 25 آب 1978، تحرّكت من الهرمل فرقة سورية ضخمة مؤلّفة من عشرات الشاحنات والملالات وسلكت الطريق الوعرة عبر "وادي فعرة" حتى "الجباب الحمر" ووصلت إلى "مزارع عيون أرغش"، ومع إطلالة الشمس، تابعت تقدّمها عبر طريق "ضهر الأقرع" المعبّدة وبلغت ظهرًا عيناتا وطوّقتها، وطلبت عبر مكبّرات الصوت من جميع الرجال التجمّع في ساحة الكنيسة. ثم بدأ الجنود، يتقدّمهم بعض المقنعين، بدهم المنازل وتفتيشها.


يخبر المختار منصور معوّض طوق الذي لعب يومها، وطوال فترة الاحتلال السوري، دورًا محوريًّا في التنسيق بين تلك القوات وقيادات بشرّي – دير الأحمر، أن أهالي عيناتا تعرّفوا إلى بعض هؤلاء المقنعين وهم من قرى منطقة بعلبك من المنتمين لقوى توالي النظام السوري، وكانوا يتردّدون سابقًا إلى قرى دير الأحمر للتجارة، وخلال المفاوضات التي رافقت الانتشار السوري أصرّت قيادات بشرّي - دير الأحمر على إخراج هؤلاء المقنعين، الذين أصبحوا معروفين وأعطوا أسماء بعضهم متخوّفين من أن ينتقم منهم الأهالي لاحقًا، وبالفعل لم يمض يوم أو يومان حتى اختفوا وما عاد تجرّأ واحد منهم على القدوم إلى منطقة دير الأحمر لسنوات، وحتى عندما كان يلتقي بعض أبناء منطقة دير الأحمر أحدهم في بعلبك أو في أي مكان آخر، كان ينسحب بسرعة.


بالعودة إلى عملية تفتيش بيوت عيناتا: تبيّن أنّ القوات السورية، صادرت كلّ ما وقع في أيدي الجنود من مال وسلاح خفيف وحلى وأدوات منزلية ثمينة.


بعد الانتهاء من تفتيش المنازل، جرى فرز المعتقلين، وأطلق سراح معظمهم فيما أبقي على البعض حتى حلول الظلام، حين أخلي سبيلهم وعادوا إلى منازلهم.


بينما كانت المجموعات السورية تتقدّم من الهرمل، انطلقت قافلة عسكرية سورية ضخمة من بعلبك ووجهتها دير الأحمر وانقسمت إلى 3 مجموعات:


المجموعة الأولى، سلكت طريق نبحا – القدام – برقا – بشوات وصولًا إلى مشارف دير الأحمر.


المجموعة الثانية، سلكت خط إيعات – إجر الحرف – دير الأحمر.


المجموعة الثالثة، من السهل عبر خط الكنَيْسة وصولًا إلى دير الأحمر.


عصرًا، التقت هذه الوحدات في محلة "البصيلة" على مشارف دير الأحمر، وركّزت موقعًا ضخمًا على مدخل بتدعي، ودخلت إلى قلب دير الأحمر وبدأت بدهم المنازل وتفتيشها ومصادرة ما وقع في أيدي الجنود من مال وسلاح وحلى وأدوات منزلية.


رافق حملة الدهم والتفتيش اعتقال العديد من الرجال وفق لوائح اسمية كانت مع الضباط السوريين.


بعد أن أنهت تمركزها في دير الأحمر، أكملت القوات السورية تقدّمها ودخلت المشيتية والزرازير وتابعت إلى عيناتا، حيث التقت الوحدات المتمركزة فيها وتابعت صعودًا إلى ضهر القضيب وتمركزت عند الغرفة الفرنسية على أعلى قمة ضهر القضيب.


رافقت انتشار القوات السورية في منطقة دير الأحمر، حالة من الرعب ومغادرة عشرات الشبان قراهم، حيث تمركزوا بأسلحتهم في الجبال المحيطة، وكانت رصاصة واحدة قادرة على إشعال معركة كبيرة.



القوات السورية تتقدّم باتجاه بشرّي

صباح السبت 26 آب، عاودت القوات السورية تقدّمها من الغرفة الفرنسية باتجاه منطقة بشرّي، فبدأت بتوسيع انتشارها على القمم المجاورة الخالية إلّا من بعض رعاة الماعز، فتقدّمت قوّة مشاة ضخمة تتبعها شاحنات ومجنزرات عبر الطريق الترابية، وسلكت قمّة "جبل المكمل" حتى وصلت إلى سفوح "القرنة السودا" ثم اجتازت "عريض الترمس" و "جورة القنديل" وتمركزت على قمة "عريض القشاطي"، كما تمركزت مجموعات أخرى عند "كوع اليمونة" وقطعت الطريق الترابية التي تنسلّ عبر ممرّات متعرّجة في الجرد وصولًا إلى مزارع جرد تنورين.


يقول المختار طوق: تعتبر هذه الطريق الترابية من أهمّ المعابر التي تربط منطقة دير الأحمر وباقي قرى وبلدات البقاع الشمالي بجرد منطقة البترون ومحافظة جبل لبنان، وهي كانت المنفذ الوحيد تقريبًا لجميع الهاربين من القوات السورية، إذا أرادوا الوصول إلى قراهم البقاعية الشمالية، كما يمكن استعمالها طريقًا عسكرية، لجهة تأمين السلاح والعتاد من المنطقة الشرقية، إذا تعرّضت منطقة دير الأحمر لاعتداء، وتعتبر المعبر الرئيسي أيضًا لتجار المخدّرات في رحلتهم من البقاع إلى الموانئ على طول الشاطئ اللبناني.


يضيف: على هذه الطريق عبر شباب الشمال من ثكنة القطارة فجر 8 تشرين الأول 1979 سالكين درب "عين روما" في جرود تنورين إلى طريق عيناتا – الأرز قرب الغرفة الفرنسية، وهناك نصبوا حاجزًا مسلّحًا وأوقفوا العديد من شماليين وفلسطينيين كانوا متوجّهين إلى بيروت عبر البقاع، بحيث إنهم ما كانوا يمرّون على طرقات المنطقة الشرقية، ونقلوهم إلى دير القطارة، لمبادلتهم بالمعتقلين في السجون السورية ومن بينهم جوزف جعجع وجان أنطوان وحوالى 6 أو 7 من شباب منطقة بشرّي.


الأحد 27 آب، أنهت القوات السورية تمركزها على مشارف الأرز – بشرّي وقطعت كلّ الدروب التي تصل منطقة دير الأحمر – جرد البترون، وأكملت تدعيم مواقعها.


اعتبارًا من الظهر، راحت سيارة مدنية لبنانية تجوب قرى وبلدات دير الأحمر، تدعو الأهالي عبر مكبّر صوت بلهجة بقاعية للعودة إلى منازلهم والاطمئنان إلى انتشار الجيش السوري. وفي الوقت نفسه، أُفرج عمّن تبقى من موقوفين لديها.


خوف الأهالي من أن يحلّ بهم ما حلّ بشباب القرى البقاعية الشمالية مثل القاع والفاكهة وراس بعلبك، جعلهم يرفضون هذه الدعوات وبقوا مع أسلحتهم في الجبال أو غادروا إلى جرد منطقة البترون.



استنفار الأرز

فجر الاثنين 28 آب، انطلقت فرقة مدرّعة سورية من عيون أرغش وانضمّت إلى الجنود المتمركزين في الغرفة الفرنسية على قمّة ضهر القضيب، ومع ظهور خيوط الشمس، انطلقت نزولًا باتجاه الأرز، ونصبت حاجزًا على مفرق طريق المصعد الكهربائي المتفرّع من طريق الأرز – عيناتا، يفتش المارة بدقة وقساوة بالغة.


على جلبة المدرّعات السورية، استفاق بعض الأهالي المتواجدين في شاليهات الأرز، واستنفر المقاتلون المختبئون في الأرز بعيدًا من أعين القوات السورية المنتشرة على طرقات منطقة بشرّي، وسرعان ما وصل إلى بشرّي خبر قدوم القوات السورية من البقاع إلى الأرز فاستنفر الجميع وحملوا أسلحتهم.


بدأت القوات السورية بتركيز مواقعها في الأرز، واقتحمت مخفر الدرك وطردت عناصره الثلاثة بعد أن صادرت أسلحتهم ومسدّساتهم الأميرية، وطوّقت ثكنة الجيش اللبناني مدّعية أن عناصر من "الكتائب" من دير الأحمر ومنطقة البترون شاركوا في القتال ضد قوات الردع، لجأوا إليها.


عند الظهر بدأت الأخبار تتوضح أكثر حول الانتشار السوري في الأرز، والمضايقات الكثيرة التي يتعرّض لها العابرون على طريق الأرز – عيناتا، فسجّل انتشار مسلّح كثيف للأهالي على التلال والجبال المحيطة بمدينة بشرّي وسمع إطلاق نار، خاصة بعد أن تأكد أن الرائد السوري علي ديب، المتهم بمجزرة البقاع الشمالي التي راح ضحيتها عشرات الشبان المسيحيين العزّل، وصل إلى الأرز.



القيادات ترفض دخول أي غريب إلى بشرّي

هذه التطوّرات المتسارعة والتعدّيات الواسعة دفعت القيادات البشرّاوية للاجتماع في منزل الخوري فيليب شبيعة. كان الاجتماع ضاغطًا حيث رفضت القيادات البشرّاوية دخول أي غريب إلى بشرّي أو محاولة منع نشاط الأحزاب، فطلب الخوري شبيعة من المجتمعين توحيد الرأي لمصلحة بشرّي، وتعهّد النائب السابق قبلان عيسى الخوري سحب الحاجز السوري على طريق الأرز وعدم دخول القوات السورية إلى بشرّي.


اتفق في نهاية الاجتماع على تشكيل لجنة عسكرية من 6 أشخاص لتأمين حماية المدينة، وتهدئة الوضع والقيام باتصالات مع معظم القيادات لمحاولة تجنيب منطقة بشرّي أي كوارث.


حلّ الليل ولم ينم أحد في بشرّي وقرى الجبة وبلداتها، ومع فجر الثلثاء 29 آب، بدأت فجأة القوات السورية القادمة من البقاع بدهم شاليهات الأرز وتفتيشها، فاصطدمت بأحد المقاتلين البشرّاويين الذي فوجئ بالجنود السوريين يصلون إلى قربه، فأطلق الرصاص عليهم وقتل آمر المجموعة السورية وأحد عناصره وأصاب 3 جنود بجروح وهرب.



ماذا جرى في شاليهات الأرز؟

بحسب روايات من كانوا هناك: كان شاب يدعى فادي جعجع نائمًا بعد أن قضى أكثر من 48 ساعة يحرس منطقة الشاليهات، فشعر فجأة أن الجنود السوريين أصبحوا على بعد أمتار منه، وقبل أن يستفيق من غفلة النوم سحب رشاشه وأطلق الرصاص على أفراد المجموعة السورية ثمّ رمى عليهم قنبلة يدوية، وهرب وهو مصاب في رجله، واختبأ في الحقول.


راح السوريون يطلقون الرصاص عشوائيًّا بين الشاليهات ويوقفون كلّ من يشاهدونه، وفكّوا الطوق عن ثكنة الجيش بعد أن احتجزوا عددًا من الجنود صودف وجودهم خارج الثكنة، ونقلوا جميع الأسرى إلى الغرفة الفرنسية عند ضهر القضيب. وبدأوا بقصف المزارع المحيطة بالأرز ووصلت بعض القذائف إلى تخوم مدينة بشرّي.


على أثر ذلك، هبّ الأهالي إلى الدفاع، وتحرّكت مجموعات كبيرة من المسلّحين وانتشرت في المزارع المحيطة ببشرّي وصولًا إلى مشارف بلدة بريسات استعدادًا لردّ أيّ هجوم مفاجئ.


مع أولى تباشير الظلام، وصل إلى بشرّي جنود الجيش الذين احتجزهم السوريون في الأرز، وأخبروا أن المدنيين ما زالوا محتجزين عند الغرفة الفرنسية، وأن الجنود السوريين متوترون جدًا. فدبّ القلق لدى القيادات البشرّاوية والأهالي على مصير المخطوفين.


منتصف الليل، بدأت القوات السورية في الأرز بإطلاق القنابل المضيئة بكثافة أنارت سماء المنطقة وأشعلت عدّة حرائق.


صباح الأربعاء 30 آب، وصل خبر حمله أحد رعاة الماعز وكان هاربًا بماشيته بعيدًا من مرمى نيران المدفعية السورية، يقول إنّ المخطوفين قُتلوا وجثامينهم مشوّهة ومرميّة عند مفرق الطريق الترابية المؤدية إلى غابة الأرز.


عندها، جنّت بشرّي، وعبثًا حاول الكهنة والقادة تهدئة الأهالي، وسرعان ما انطلقت من المستشفى الحكومي سيارة إسعاف على متنها الخوري فيليب شبيعة والمختار منصور معوّض طوق ووجهتها المكان الذي أرشد عليه الراعي، للوقوف على حقيقة الخبر، وما إن وصلت إلى قرب ثكنة الجيش حتى انهمر عليها الرصاص، فنجا الركاب بأعجوبة وعادوا إلى بشرّي.


هنا، قرّر الجميع المواجهة مهما كانت النتيجة، وبدأت الاستعدادات لمهاجمة جميع المواقع السورية في جبة بشرّي.


في هذا الجوّ المأسويّ الضاغط، وصل إلى بشرّي النائبان حبيب كيروز وجبران طوق على متن طوّافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني، وفور وصولهما عقد اجتماع حاشد في منزل النائب طوق شارك فيه النائب السابق قبلان عيسى الخوري وقيادات العائلات البشرّاوية.


خلال اللقاء، حاول زعماء العائلات تهدئة الأهالي شارحين خطورة الوضع، ونقل نائبا المنطقة تمنيات البطريرك خريش والرئيس سركيس والرئيس شمعون والشيخ بيار الجميل لضبط النفس، وترك الاتصالات السياسية تحاول معالجة ما يحصل.


ثمّ وصل العقيد السوري تامر الجوني يرافقه عدد من الضباط السوريين، بينهم العقيد فواز البالوع والمقدّم شحاده درة، واجتمعوا بالقيادات البشرّاوية، فأبدى العقيد الجوني أسفه الشديد وأسف القيادة العسكرية السورية لما حصل، وطلب ضبط النفس قليلًا، ومحاولة تهدئة الأهالي ريثما يتمكّن من كشف ملابسات ما جرى في الأرز، واتفق على أن يتوجّه الشيخ قبلان عيسى الخوري إلى البقاع الشمالي للاجتماع بالقيادة السورية، وتكفّل العقيد الجوني بتأمين مروره على طريق عيناتا - الأرز.


ظهرًا، تحرّكت من بشرّي 3 سيارات عسكرية سورية تخضع لإمرة القيادة السورية في الشمال. رافقتهم سيارة إسعاف فيها المختار منصور معوّض طوق وتوجّهوا إلى مكان الجثث، وحملوها إلى بشرّي وسط جوّ من الحزن والغضب، وتقرّر أن تدفن سريعًا دون مراسم جنائزية عادية بسبب التشويه الكبير اللاحق بالجثامين.



شهداء مجزرة الأرز

تبيّن أن الشبان الثمانية الذين اكتشفت جثامينهم هم:


هاني أسعد كيروز وهو مهندس تزوّج قبل 10 أيام وشقيقه أنطوني الذي جاء يتفقد شقيقه وهما نجلا شقيق النائب الشيخ حبيب كيروز.


طانيوس جرجس أبو شيبان طوق كان يعمل ناطورًا لبعض الشاليهات.


باخوس سركيس عبود من بلدة رشعين (قضاء زغرتا) وسكان بشرّي من زمن بعيد ويدير العمل في أحد الفنادق.


ماريا مطانيوس جعجع من بشرّي.


عزيز حنا العاصي طوق من بشرّي.


جميل ميشال الأسطا كيروز من بشرّي.


دوري إميل نكد من بقاعكفرا.


يُذكر أن الشهيد دوري كان صديق وزير الصناعة جو عيسى الخوري وذكره في بودكاست MTV مع الزميل داني حداد ودمعت عيناه، إذ كانا يُحضران للامتحانات، ولكن عيسى الخوري في ذلك الأحد، وبإلحاح من أمّه، بقي في بشري ولم يعد مع صديقه دوري إلى الشاليه، مما نجاه من الموت.


وتردّد أن الضابط السوري الذي قُتل في الأرز كان ابن شقيقة الرائد علي ديب المسؤول عن مجرزة البقاع الشمالي، فانتقم له بقتل الأسرى لديه.


في بيروت، كان موقف قاسٍ للرئيس كميل شمعون جاء فيه: مثلما ذهب دم 143 شهيدًا في الشوف هدرًا دون أن تقوم الدولة بأي ردّة فعل، هكذا سال دم نساء وشيوخ بريح في الكنيسة، وذهب دم شباب القاع وراس بعلبك والفاكهة دون أي سؤال من الدولة، وكذلك دم الضحايا في بلاد البترون في كور وسواها من القرى، واكتفت الدولة ببيان تأسف فيه لضحايا بشرّي. ففي الوقت الذي نتقدّم فيه من عموم الأهالي بشعور التعزية العميق، نؤكد لهم وللضحايا البريئة التي سقطت على يد البربرية التي بلغت أقصى حدودها، أننا نقف إلى جانبهم لصدّ الهجمة الغريبة على كيانهم ومعتقدهم.


ثمّ سأل: كيف تصدر هذه التصرّفات عن جيش نظامي يدّعي أنه يحمي الشرعية وينفذ أوامرها؟


أمّا الشيخ بيار الجميل، فأعرب عن ألمه الشديد واستنكاره العميق للأحداث الدامية التي حصلت في منطقتي بشرّي والبترون ووصفها بأنها وصمة عار على جبين الإنسانية وطعنة في قلب الحرية والشرعية.


ظهرًا، عقدت الرابطات المسيحية اجتماعًا في دير المخلّص في صربا حضره ممثلو: المؤتمر الدائم للرهبانيات اللبنانية، الرابطة المارونية، الرابطة اللبنانية للروم الأرثوذكس، المجلس الأعلى لطائفة الروم الكاثوليك، المجلس السرياني، وأصدروا بيانًا استنكروا وشجبوا المجازر الجماعية التي جرت في مناطق بشرّي والأرز ودير الأحمر والكورة والبترون. وطالبوا بإنزال أشدّ العقوبات بمفتعلي تلك المجازر.


ليلًا، عقد اجتماع طارئ في الصرح البطريركي في بكركي ترأسه البطريرك خريش، شارك فيه المطارنة الموارنة والرؤساء العامون للرهبانيات اللبنانية، أصدروا بيانًا شجبوا فيه ما جرى في مناطق بشرّي ودير الأحمر والبترون، من أعمال عنف ووقوع ضحايا بريئة لم يتأمّن دفن بعضها حتى اليوم، وانتهاك حرمة الكنائس، وتهديم بيوت، وتهجير سكان آمنين يعيشون في حالة بؤس مزرية، "ونحن إذ نلفت نظر السلطات إلى هذا الوضع الخطير، نهيب بها إلى تدارك ما قد يجري من ذيول على الصعيد الاجتماعي، ونطالبها بوجوب بذل أقصى ما يمكن من جهد لإعادة المهجرين كل المهجرين في العاصمة والمناطق إلى منازلهم".


الخميس 31 آب بدأ الناس يتناقلون خبر تعرّض شاحنة للجيش السوري لمكمن مسلّح في بلدة بريسات بين الحدث وحصرون في منطقة الجبة، وأن توترًا شديدًا يسجّل هناك.



ما قصة ذاك الكمين؟

لم يكن كمينًا مخططًا له، فقبل تعرّض تلك الشاحنة لإطلاق نار عبرت عدة شاحنات سورية دون التعرّض لها.



لماذا تمّ التعرض لهذه الشاحنة؟

لأن جنود الشاحنة أوقفوا شابًا، فاستنفر رفاقه وقاموا بإنقاذه: هذا ما حصل في بريسات وصوَّره الإعلام كمينًا مخططًا له.


على أثر ما جرى في بريسات، بدأت القوات السورية حملة تمشيط واسعة في قرى الجبة وبلداتها وتمّ نسف وتدمير بيوت "الكتائب" في القرى التي دخلتها، إضافة إلى تعرّض المدنيين الذين بقوا في قراهم إلى الاعتقال ومضايقات واسعة وإذلال.


صباح الأول من أيلول، عاد العقيد تامر الجوني إلى بشرّي ومعه أوامر خطية من القيادة السورية العليا بانسحاب جميع القوات السورية المشكوك في أمرها باتجاه البقاع على أن تحلّ محلّها قوات سورية تابعة لقيادة الشمال، وملاحقة مرتكبي مجزرة الأرز قضائيًا مهما علت رتبهم العسكرية.


في إطار تنفيذ هذه الخطة، طلب العقيد الجوني سحب جميع المسلّحين من الطرقات حتى تتمكّن القوات السورية الجديدة من التمركز بشكل هادئ للقيام بواجبها.


بعد الظهر، توجّهت طلائع هذه القوات إلى الأرز وتمركزت في منطقة الشاليهات، وأقامت حاجزًا أمام مبنى "النافعة".


في النهار ذاته، نشرت الصحف المحلية بيانًا صادرًا عن قيادة "قوات الردع" وفيه أن ممارسات ونتائج لا تتوافق مع روحية الأوامر المعطاة حصلت في منطقة بشرّي - الأرز يومي الإثنين والثلثاء خلال عمليات "الردع"، وأنها أحالت المسؤولين عن هذه الممارسات إلى هيئة التحقيق المشتركة في المحكمة الأمنية الخاصة التي أنشئت في شباط الماضي إثر حوادث الفياضية بين الجيش والردع.


في اليوم التالي، أكملت القوات السورية خطتها وتمركزت فوق ضهر القضيب بالقرب من الغرفة الفرنسية. وبشيء من الحنكة، أحكمت القوات السورية قبضتها على منطقة بشرّي وأمّنت الاتصال بين قواتها في محافظة الشمال ومحافظة البقاع كما فتحت طريق عيناتا – الأرز أمام جميع القوى المناهضة للجبهة اللبنانية، بحيث أصبحت الشريان الوحيد الذي يصل الشمال بالبقاع والجنوب وبعض مناطق الجبل وبيروت الغربية.



ماذا يخبر الشيخ فوزي طوق عن تلك المرحلة؟

"بعد أيام قليلة على مجزرة إهدن، تأكّد للقيادات البشرّاوية أن السوريين سيوسّعون انتشارهم، فحاول نوّاب بشرّي – دير الأحمر والزعماء إبقاء منطقة بشرّي خارج نطاق الانتشار السوري وتسليمها للجيش اللبناني، حيث تأكّد أنه من غير الممكن ضمّ منطقة دير الأحمر إلى منطقة انتشار الجيش اللبناني.


من أهمّ الأسباب التي دفعت للمطالبة بضمّ منطقة بشرّي إلى المنطقة الشرقية أنها أصبحت تعجّ بالمحازبين التاركين قراهم في طرابلس وعكار والضنية والزاوية، ثمّ جاءت مجزرة البقاع الشمالي لتزيد مخاوف القيادات البشرّاوية، فتكثفت الاتصالات وشملت الرئيس سركيس والبطريرك خريش والرئيس شمعون والرئيس فرنجية والشيخ بيار الجميل، بهدف العمل على تجنيب منطقة بشرّي أي حمام دم، وقد أكّد القادة المذكورون لمراجعيهم من القيادات البشرّاوية حرصهم التام على حقن الدماء، وطلبوا تسهيل مهمة انتشار القوات السورية.


هنا أصبح همّ القيادات البشرّاوية تنفيذ الانتشار من دون مواجهات مع الأهالي، ولا أخفي أن صعوبات كثيرة واجهت الزعماء لإقناع الأهالي بتسهيل الانتشار السوري، والمحازبين بترك المنطقة، فقد كان الجميع خائفًا من أن تتعرّض بشرّي ومنطقتها لما تعرّضت له القرى المسيحية في البقاع الشمالي، لكن الانتشار السوري الأوّل أواخر حزيران تمّ بهدوء، ثمّ أتى الانتشار السوري في منطقة دير الأحمر في الأسبوع الأخير من شهر آب والتجاوزات التي رافقته لتعيد الوضع إلى نقطة الصفر، وحصلت مجزرة الأرز لتؤجّج النار، لكن القيادات البشرّاوية ورغم الجرح الكبير الذي أصاب المنطقة حاولت معالجة الوضع وتقديم التنازلات لتخفيف ما أمكن من الأضرار، فعقدت سلسلة اجتماعات مع العقيد تامر الجوني الذي حضر إلى بشرّي أكثر من مرّة، كما حضر عدة ضباط من مخابرات الجيش اللبناني.


يضيف: للتاريخ كان العقيد الجوني هادئًا طوال الاجتماع وقدم اعتذاره لبشرّي وتعازي القيادة السورية بالضحايا، وتحمّل الكثير من الكلام. ثمّ عقد اجتماعًا مصغرًا مع زعماء العائلات أوضح فيه أن لا مجال لتأخير الانتشار السوري، ويجب ربط البقاع بالشمال، مبديًا استعداده لتقديم أي ضمانات يطلبها الأهالي.


يختم الشيخ فوزي طوق كلامه بالقول: كان واضحًا أن السوريين سيكملون انتشارهم في الشمال، وضرب من الجنون مواجهتهم، فاستطعنا بالحد الأدنى تجنيب المنطقة حمام دم".


يقول الرائد جان القاصوف: قصدنا بشرّي أكثر من مرة موفدين من قائد الجيش فيكتور خوري ومدير المخابرات جوني عبدو ونقلنا رسائل للقيادات البشرّاوية من أن السوريين لن يقبلوا إلّا بفتح طريق بشرّي – الأرز – عيناتا، لتأمين الاتصال بين قواتهم المتواجدة في الشمال وتلك المتمركزة في البقاع، وليتمكّن أنصارهم في الشمال غير القادرين على سلوك الطريق الساحلية من الوصول إلى بيروت. ليتم إنهاء الانتشار السوري في بشرّي ومنطقتها بهدوء، لكن بقيت لبشرّي ومنطقتها خصوصية، بحيث إن الوجود الحزبي لم يخرج من المنطقة نهائيًا مثل باقي الأقضية الشمالية، كما بقيت طريق قنات – دير بلا سالكة للبشرّاويين الراغبين في الوصول إلى المنطقة الشرقية من دون المرور على الحواجز الزغرتاوية واليسارية في منطقة الكورة وساحل الشمال.



ماذا يقول جوزيف فضول القيادي القواتي الذي كان مكلفًا التنسيق مع القوات السورية؟

على أثر إذاعة القرار الصادر عن مجلس الوزراء والقاضي بإسناد مهمة حفظ الأمن في منطقة بشرّي إلى قوات الردع السورية والإنذار الموجّه ضد الحزبيين في منطقة زغرتا – الزاوية، أجمع الرأي العام في المنطقة على رفض قرار مجلس الوزراء، لأن وضع منطقة بشرّي أصبح غاية في الإحراج بعد أن غصّت المنطقة بالهاربين من عكار وزغرتا – الزاوية، والضنية، وطرابلس، والكورة، والبقاع من حزبيين ومهجّرين ومطلوبين من السوريين، علاوة على الحزبيين من أبنائها، وكلّ هؤلاء أصبحوا بذمتها في هذا الظرف الدقيق.


من جهة أخرى، لأن وضع قوات الردع أصبح مشكوكًا فيه، إذ من المحتمل أن تدخل هذه القوات الغريبة غير المأمونة الجانب، فتضيّق الخناق على المنطقة بكاملها وتبدأ بالتصرّف على هواها تنفيذًا لمآربها، هذا إذا لم ترتكب مجازر كما ارتكبت في القاع وجوارها.


انطلاقًا من هذا، كان الرفض لإسناد الأمن في المنطقة إلى القوات السورية، والمطالبة بتكليف الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي القيام بهذه المهمة. هنا سارع الرئيس سركيس والبطريركية المارونية للتدخل لإقناع الجميع بالعدول عن الموقف الرافض الدخول السوري والاحتكام إلى العقل والمنطق تجنبًا للانزلاق في معارك لا تجلب إلّا الويلات.


يضيف: نحن لم نشارك في الاجتماعات التي عقدها العقيد السوري تامر الجوني مع القيادات البشرّاوية، لكن كنا نطّلع على نتائجها حيث أتتنا تطمينات نقلها لنا العميد نعيم فرح قائد منطقة الشمال العسكرية في الجيش اللبناني من أن لا خروج للقوات السورية عن الخطط المرسومة لها، ودخولها إلى منطقة بشرّي لا يخرج عن هدفين أساسيين هما: حفظ الأمن في هذه المنطقة تفاديًا لحصول أي أعمال عنف ومنع وقوع أي صدام مسلّح بين بشرّي وزغرتا في هذه الأجواء المليئة بالأحقاد.


وخلصت المناقشات إلى الاتفاق التالي:


سحب المجموعات السورية التي وصلت إلى الأرز وإعادتها إلى مواقعها في البقاع وتسليم المنطقة إلى المجموعات التابعة لقيادة القوات السورية في الشمال.


تبقى القوات السورية على مشارف مدينة بشرّي ولا تقيم أي مظاهر عسكرية داخلها.


عدم تدخل القوات السورية من قريب أو بعيد في الشؤون الداخلية لمنطقة بشرّي، وترك معالجة الأمور لقوى الأمن الداخلي.


عدم السماح لأي مسلّح غريب من الدخول إلى منطقة بشرّي.


عدم ملاحقة أي إنسان في منطقة بشرّي أيًا كان انتماؤه على ألّا يتجوّل بسلاح ظاهر، وعدم تفتيش أي مكان أو منزل مهما كانت الأسباب.


إبقاء طريق قنات – دير بلا مفتوحة لأبناء منطقتي بشرّي – دير الأحمر، الذين لا يرغبون في سلوك طرقات الكورة وساحل البترون.


يضيف فضول: كنا وقتها في حالة ضياع، فالدكتور سمير جعجع غائب يتعالج، ويوم توقيف جان أنطون أواخر شهر تموز قبل شهر من الانتشار السوري تمّ توقيف مفوّض القوى النظامية الكتائبية في الشمال جوزف جعجع.


يومها بسبب إقفال جميع الطرق إلى بشرّي، سلك جوزف جعجع مع 3 مقاتلين هم: جوزف عبد المسيح، جوزف لابا، حبيب العلم، طريقًا فرعية شقت حديثًا تصل جرود العاقورة بطريق جرود تنورين - حدث الجبة، ولدى وصولهم إلى القمم الفاصلة عن جرود بعلبك فوجئوا بحاجز مسلّح تبيّن أنه لـ "جيش لبنان العربي"، أوقفهم وسلّمهم للمخابرات السورية، ورغم كلّ الاتصالات التي جرت رفضت السلطات السورية إطلاق سراح جان أنطون وجوزف جعجع ورفاقه، وبقوا في سجن المزة حتى 10 تشرين الأول 1982.


يختم فضول بالقول: لم يكن أمامنا وقتها من خيار إلّا الموافقة على الاتفاق وتسليم الوضع إلى اللجنة التي تقرّر تشكيلها فخرجنا بداية من القرى والبلدات إلى الجبال المحيطة وجرد البترون، وكنا مجموعات متفرّقة إلى أن وصل الدكتور سمير جعجع إلى ميفوق وبدأ عملية جمع المقاتلين في ثكنة دير القطارة.