المحامي محمد آصف ناصر

محنة المواطنة... الفصل الثالث: المجد للعمل

4 دقائق للقراءة

قبيل أنفاس كل فجر، ترى حسن على مدخل جبل محسن ينتظر دوره ليستقل الـــ "الفان" متوجهًا إلى عمله في بيروت، فيما يستقر في مقعده تبحث عيناه بين وجوه الشباب العائدين عن نجله هادي، خريج جامعي، يعمل كل يوم في مطعم في بيروت ليسدد أقساط دراسته العليا في الجامعة، لا يراه والده إلا صدفة عند كل فجر.



جار حسن متعاقد مع البلدية بوظيفة حارس حديقة، كان من ضحايا الاقتصاص من ميلشيا الأمر الواقع، أُطلقت النار على قدميه هو ورفاقه فيما كانوا متوجهين إلى عملهم في بلدية طرابلس، وأسقط حقه الشخصي لقاء وعد بالتثبيت لكنه وبعد انقضاء أكثر من 13 عاماً على إسقاط حقه ما يزال متعاقدًا فلم يف أحد بالوعد.



هذا الوعد التائه يشبه وعود الرئيس اميل إده لجدي عندما ترأس الوفد العلوي مطالبًا بالحقوق في ثلاثينيات القرن الماضي، وانقضى أكثر من مئة عام على هذه الوفود والوعود وما زال العلويون يحلمون بأن يكون من بينهم وزير، أو قاض، أو كاتب بالعدل. فهم الفئة التي لا تنال إلا فضلات ما خلفته موائد الكبار في جمهورية الطوائف حيث تراعى الفقرة(هـ) من مقدمة الدستور فقط لإرضاء الطوائف الكبرى، ومفهوم المساواة أمام القانون لا يطبق على العلوي. تم تكريس هذا المنطق مع تجذر سلطة حزب الله في الدولة وتفاقم نفوذ مكتبه السياسي، هذا المكتب لم يقف عند حد الاستثمار في ميليشيا فَرَض نفوذها في جبل محسن وعكار، بل تعدى ذلك إلى التدخل في تفاصيل حياة العلويين مجابهًا أية محاولة تنهض بها النخب العلوية، بــ"فرق تسد"، ما مكّنه من بسط سلطانه على هذه الطائفة. خلال فترة سلطان الحزب في الدولة لم ينل العلويون إلا فتات سمح به مكتبه السياسي تنفيذًا لرغبة نافذ فيه أو جائزة ترضية لحليف. حتى حقوق حملة شهادات الدكتوراه بالتعاقد مع الجامعة اللبنانية تم التضحية بها لصالح حلفاء الحزب، وحُرِم العلوي من مدير الفرع الثالث في كلية الآداب لصالح تيار حليف. وصولاً إلى عمل دعاة حزب الله على استلاب الهوية العلوية وطمسها بالتشيُّع، وقمعهم مقاومة النخب العلوية بتهم العمالة لإسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن تعبير العلوي عن حقيقته جريمة.



هذا الواقع لم يختلف في سوريا، فالعلوي هناك لم يَتَنَّبَه لقضم حقوقه الطبيعية، بينما كانت الطوائف الأخرى تحظى بكافة امتيازاتها كان العلوي محرومًا من مؤسسة دينية جامعة، ومرجعياته الدينية التقليدية حوصرت ونُكِّلَ بها في فترة نفوذ الإسلام السياسي وبعد سقوط النظام قُتِلَ عدد من رموزها. لم يكن للعلوي حضور مؤسساتي في زمن البعث، فحتى المحاكم الشرعية العلوية التي تأسست مع الملك فيصل في العام 1919 ألغتها الحركة التصحيحية في العام 1970، فالنظام العلوي المزعوم لم يخص العلويين بأية امتيازات، ولم يعِ العلوي السوري محنة المواطنة إلا عندما عوقب على ممارسات البعث، فكان وحده الملام ووحده الملاحق. ففي بلاد الأمن المفقود تغتصب الصبايا العلويات ويًسبَيْن ويستهزأ من لسان الساحل فتضيع جريمة الاغتصاب في حمأة الدفاع عن الـ"قاف".



بالرغم من كل التحديات، ترى الأكثرية العلوية الصامتة تجتهد في عملها وكفاحها لضمان حقها بالحياة، فما زال هادي يتابع دراساته ويسدد أقساطها من عمله حتى كل فجر، ليثبت حضوره كقريبه حيدر الذي تبوأ مركزًا مرموقًا في فرنسا، وطالب في واشنطن ويحيى في ألمانيا.


فالعلوي الذي، خلال مئة وخمسة أعوام من عمر لبنان الكبير، لم ينجح في مباريات الدخول إلى معهد القضاء، نجح في هيوستن بأن يكون قاضيًا، وفي استراليا أن يكون مشرعًا، وفي فرنسا بأن يكون رئيس مجلس طبي، فيكافح الأفق اللبناني المغلق بالاجتهاد والمثابرة. أدرك العلوي أن جمهورية الطوائف لن تنصفه فعقد أبناؤه العزم على العمل ولا شيء سوى العمل، وبعضهم شد الرحال إلى دول تؤمن بالكفاءة وتجازي على العمل لا على المعتقد، بوصلة حيدر وطالب ويحيى وهادي هي الكفاح لا المحسوبيات.


هذا مسار العلوي، مسار المواطن في جمهورية الطوائف، المواطن الذي عقد العزم وشمّر عن ساعديه فأجابه الدهر: المجد للعمل.

المحامي محمد آصف ناصر