الدكتور سايد حرقص

الدعاية "حلم وطن" والحقيقة "مغارة عفن"

4 دقائق للقراءة
هل تتحرّك النيابة العامة لمحاسبة المخالفين؟ أم يبقى الفساد نموذجاً "محصّناً" لا يُمسّ؟

تحت شعارات براقة مثل "خطة إنقاذ الكهرباء" و"تأمين المياه للبنانيين" ، تحوّلت وزارة الطاقة في لبنان منذ 2008 إلى مركز للدعاية والإعلان الانتخابي من جهة ووكرٍ لهدر المال العام من جهة أخرى. فالوقائع أثبتت أن هذه الوزارة لم تكن سوى بنك تمويل سياسي، يفتح أبوابه لهدر المال العام عبر عقود بالتراضي، تسويات، ولجان استلام مشكوك بشرعيتها.



المفارقة أن النائب جبران باسيل، في بداية تسلّمه وزارة الطاقة، صرّح في مقابلة تلفزيونية على شاشة OTV مع الاعلامية ماغي فرح أن استجرار الكهرباء عبر البواخر هو "هدر للمال العام". لكنه سرعان ما عاد وتبنّى الخيار نفسه، وأبرم عقوداً بمليارات الدولارات مع شركات تركية لتأمين بواخر الكهرباء، لتتحوّل هذه العقود إلى باب واسع للهدر ارهق خزينة الدولة وزاد الدين العام وكان واحدا من اسباب انهيار الاقتصاد الوطني.



ولم يكتفِ بذلك، بل ظهر سنة 2013 في فيلم قصير على طريقة الرسوم المتحركة نشر على نفقة الوزارة تحت عنوان "حلم وطن" روّج فيه لوعوده الكبرى، متعهدا بتأمين الكهرباء 24/24، والمياه، والقطارات، والنقل البحري، واستخراج النفط والغاز قبل عام 2020. لكن 2020 أتى وذهب، ولم تتحقق سوى الخسائر والديون، فيما بقي اللبنانيون غارقين في العتمة والعطش والوعود الفارغة.



القرار الأخير الصادر عن ديوان المحاسبة بحق الوزير السابق سيزار أبي خليل، شكّل محطة جديدة في مسلسل الفضائح. إذ ثبّت الديوان مخالفات مالية جسيمة في عقد المصالحة مع شركة Poyry Switzerland Ltd، التي تم تكليفها بتقييم عروض استئجار بواخر الكهرباء وربطها بمعملي دير عمار والزهراني.



العقد تمّ بأوامر "شفهية"، خارج الأصول، وبعقد رضائي غير شرعي، متجاوزًا صلاحيات ديوان المحاسبة ومتحايلاً على القوانين الضريبية. حتى لجنة الاستلام شُكّلت بطريقة مخالفة للقانون. وبالنتيجة، تمّ تغريم الوزير وفق المادة 60 من قانون المحاسبة العمومية.


فما حصل في ملف بويري سويسرا ليس استثناءً، بل جزء من نهجٍ كاملٍ قائم على تضييع الأموال العامة، تحت حجج "الطارئ" و"العجلة" . في عهد الوزير باسيل، بدأت قصة تلزيم بواخر الكهرباء عبر صفقات بالتراضي مع شركات تركية، من دون استدراج عروض شفافة. العقود بلغت كلفتها مبالغ خيالية خلال عشر سنوات، من دون أن تؤدي إلى أي تحسّن ملموس في التغذية الكهربائية.



مع الوزيرة ندى البستاني، انتقل المشهد إلى السدود، التي تحوّلت إلى ورش إنشائية تُقدَّم للرأي العام على أنها مشاريع استراتيجية، لكنها في الواقع كانت بوابة هدرت من خلالها اموالا طائلة من دون اي نتائج ملموسة:



- سد بسري، خُصّص له البنك الدولي قرضاً بقيمة 617 مليون دولار، لكن المشروع انهار بعد تقارير علمية أكدت أن الأرض كارستية وغير صالحة، وأن المشروع يهدّد البيئة والمياه الجوفية بالاضافة الى تحركات لجمعيات بيئية واحتجاجات شعبية



- سد المسيلحة في البترون، بلغت كلفته النهائية حوالي 90 مليون دولار، لكنه بقي مجرد "بحيرة إسمنتية" لا تجمع اي مياه، وسط تقارير هندسية تعتبر أن دراساته كانت غير جدّية وأنه غير مجدٍ فنياً.



- سد بلعا، أيضاً في البترون، قُدّرت كلفته بأكثر من 40 مليون دولار، لكنه عانى منذ البداية من مشاكل جيولوجية جعلت تخزين المياه فيه شبه مستحيل، ما حوّله إلى مشروع معطّل لا يخدم الغاية المعلنة منه.



- سدّ جنة على نهر إبراهيم، صُرف عليه ما يزيد على 250 مليون دولار، وتم قطع حوالي عشرين ألف شجرة معمرة وسط تحذيرات بيئية وهندسية من مخاطره المتعددة على المياه والبيئة. والجدير بالذكر أنّ فكرة إنشاء هذا السد تعود إلى عهد الرئيس كميل شمعون، غير أنّ تقارير جيولوجية في حينه أكدت عدم جدواه، محذّرة من احتمال امتلائه بالوحول خلال ثلاث سنوات فقط، نتيجة التدفق السنوي لمادة التراب الأحمر الناعم من باطن الأرض، وهي الظاهرة التي ارتبطت بأسطورة "دم أدونيس". يضاف إلى ذلك مخاطر تأثيره المباشر على ينابيع كسروان، ما دفع الدولة في خمسينيات القرن الماضي إلى التراجع عن تنفيذه.



المشترك بين كل هذه الملفات، هو استغلال الأزمات. فالكهرباء تحوّلت ذريعة لتمرير البواخر والعقود الاستشارية، والمياه تحوّلت ذريعة لتلزيم السدود. وعندما يُسأل الوزراء السابقون عن النتائج، تكون الحجة دوماً: "الوضع طارئ" أو "الخطة عاجلة" وصولا الى قصة "وضعوا لنا العراقيل" التي ختمت بمقولة "ما خلونا".


قرارات ديوان المحاسبة الأخيرة، وإن شكّلت خطوة متقدمة، لا تكفي وحدها. فالتجربة أثبتت أن وزراء "التيار" اعتبروا أنفسهم فوق المحاسبة طوال سنوات، محتمين بالغطاء السياسي والحزبي الذي أمنه اتفاق مار مخايل. اليوم، ومع سقوط تلك الحماية، يبقى السؤال: هل تتحرّك النيابة العامة لمحاسبة المخالفين؟أم يبقى الفساد نموذجاً "محصّناً" لا يُمسّ، مهما تغيّرت الحكومات؟