د. لطيف زيتوني

بذور للزارعين في حقل الياس خوري

7 دقائق للقراءة
الرئيس سلام والوزير سلامة في إحياء ذكرى خوري مساء الإثنين (نداء الوطن)

ردًّا على سؤال "لماذا تقاوم؟"، قال الياس خوري: "أنا أقاوم رَغمًا عني. إذا أردتُ أن أُحسّ أني إنسان فلا بدّ أن أقاوم. هذه واجباتي. أنا لا أستطيع أن أرى أوضاع الفلسطينيين وأتظاهرَ بأني لا أرى، ولا أستطيع أن أشاهد الفقراء ولا أنحاز إليهم، ولا يمكنني أن أرى المشكلات التي يعاني منها البلد وأتظاهر بأنّ ذلك لا يهمّني".


اختار الياس خوري النضال مدفوعًا بشعور يكره اللامبالاة، يكره الظلم، شعورٍ هو أقرب إلى الثورة، ولكنها ثورةٌ داخلية، أخلاقية، رافقته إلى نهاية حياته، وتمَثّلها في شخصية المسيح الحاضرة بأشكال مختلفة في رواياته.


كتب عن فلسطين الكثير، ولكنه لم يكتب كأصحاب الأرض. فلسطين عند الفلسطينيين وطنٌ وهوية وانتماء إلى قرى نزحوا منها وما زالت تحوي حكاياتِهم وذكرياتهم وعظامَ أجدادهم. فلسطين عند الياس خوري ليست وطنًا ولا هوية، بل قضية.


انخرط الياس خوري في النضال منذ أن ذهب الى الأردن، صغيرًا، يطلب الانتماء إلى "حركة فتح"، والمشاركة في القتال داخل صفوفها. ولكنّ ارتباطه بفلسطين القضية تعزّز وتوسّع بعدَ التحاقه بـ "مركز الأبحاث الفلسطيني"، ثم توليه رئاسة تحرير مجلّة "شؤون فلسطينية"، وإدارة تحرير مجلّة "الكرمل" الفلسطينية أيضًا، وتعزّز أيضًا نتيجة تواصله الطويل مع الناس في المخيّمات ليجمعَ حكاياتِهم ويحوّلَها إلى روايات. كلّ ذلك ربطه لا بالقضية وحدها، بل بالجماعة الفلسطينية في لبنان، والشخصيات الفلسطينية فيه أيضًا. لهذا لم تكن رواياته عن فلسطين بقدر ما كانت عن الفلسطينيين كجماعة مظلومة مقهورة مقتلعة من أرضها.


قدّم الياس خوري عن الفلسطينيين روايات متميزة، منها رواية "باب الشمس" التي شكّلت منعطفًا في الكتابة عن القضية. قبل "باب الشمس" كانت الروايات التي تتناول القضية الفلسطينية تتحدّث عن الأرض، عن المدن، عن الاقتلاع، عن الذكريات في فلسطين، كانت تتحدّث عن الحقّ الفلسطيني. مع "باب الشمس" صارت الرواياتُ حكاياتِ اللاجئين، صارت ذاكرةً استدرك المؤلّف ضياعها بجمع حكاياتها من أفواه العجائز. وهكذا تشكّلَ مع "باب الشمس" لون روائي جديد بأسلوبه وبنيته وغايته ومادته. وهذا النهج الجديد في كتابة الرواية اعتمده المؤلف في كل رواياته اللاحقة وصولًا إلى "أولاد الغيتو"، الثلاثية الروائية التي تضمّ "اسمي آدم" و"نجمة البحر" و "رجل يشبهني".


تنبّه الياس خوري إلى أننا شعوب بلا ذاكرة، فنحن لا ندوّن الأحداث، بل نتناقلها شفهيًّا، ونتركها تتغيّرُ وتتحزّب وتتمذهب وتصبحُ حكايات مختلفة، ويضيع أصلها. لم يدوّن اللبنانيون أحداث 1840، ولا أحداث 1860، ولا الأحداث السياسية التي سبقت إعلان الاستقلال. ولم يدوّنوا من حرب 1975 سوى وجهات النظر الرسمية، وجهات نظر الأحزاب والطوائف والدول المشاركة فيها والمموّلة لها. وبقيت وجهات نظر الناس الذين هُجّروا، أو فقدوا أولادهم، أو اضطروا إلى مغادرة البلاد، أو عاشوا في الملاجئ، أو انقلبت حياتهم بعدما فقدوا مصادر عيشهم، بقيت كلّها حكايات شفهية. وهذا ما فعله الفلسطينيون أيضًا. فجاء الياس خوري لينقذ الذاكرة الفلسطينيّة انطلاقًا من ذاكرات الناس العاديين لتبقى متاحة للأجيال القادمة.


لم يدوّن الياس خوري الذاكرة الفلسطينية وحدها. فها هو يخصّص رائعته "يالو" للذاكرة السريانية. فالسريان، كالفلسطينيين، تعرضوا للتهجير وللمجازر، وتهمّشت قضيّتهم ولغتهم وتاريخهم. والمؤلّف يعرف مأساتهم وواقعهم مثلما يعرف مآسي الكثير من الجماعات التي ألجأها الظلم والقهر والقتل إلى لبنان. رواية "يالو" رواية شاب سرياني دهمته الحرب فشارك فيها قبل أن يهرب منها، ثم قادته الظروف إلى السجن. وهناك أعطاه المحقّق أوراقًا بيضاء ليكتب اعترافاته من خلال كتابة قصة حياته. وكان كلّما كتب نسخة يتعرّض للتعذيب، ويطالَب بكتابة نسخة جديدة. فعلى عكس حكايات شهرزاد التي كانت تؤجِّل موعدَ موتها، كانت حكايات يالو تعجّل بتعذيبه.


غير أنّ لتجربة يالو وجهًا آخر إيجابيًّا، فقد كان كلّما كتب نسخة جديدة من قصة حياته يسترجع المزيد من حكايات عائلته وتاريخه. وحين كتب النسخة الأخيرة استكمل تاريخه وصارت له هوية وذاكرة. وها هو في السجن يطالب بأوراق بيضاء ليعيد كتابة هذه النسخة الأخيرة التي رمى المحقّق بأوراقها وداس عليها. أراد أن يعيد كتابتها كي لا يدركها الضياع. فهو لا يكتب الآن من أجله، بل من أجل شعبه.


بإمكاني أن أحدّثكم أيضًا عن رواية "مملكة الغرباء" التي يشي عنوانُها بمحتواها، أن أحدّثكم عن قصة الشركسية، وقصة وداد البيضاء، بإمكاني أن أحدّثكم خصوصًا عن بيروت، سيدة المكان في روايات الياس خوري، والحاضرة بشوارعها وأحيائها وناسها وأجوائها وفرادتها.


بإمكاني أن أحدّثكم عن كل ذلك، لولا أنه من الظلم أن نحصر الياس خوري في موضوعات رواياته وقضاياها. فهو لم يكن روائيًّا وحسب، بل كان مؤلِّف مسرحيّات وصحافيًّا وأستاذًا جامعيًّا وناقدًا. كان ناقدًا حاذقًا قديرًا، يعرف الأدب العربي القديم والحديث، ويعرف آداب العالم الثالث، ويتابع التطوُّر النقديّ في الغرب. وإذا كانت المعرفة تورث الهمّ، كما يقال، فإنها أورثت الياس خوري مجموعة من الهموم المتّصلة بالكتابة الروائية. أولها هو ما أسماه "استنباط لغة الحكي بالمكتوب". فقد اصطدم أسلوبه في نقل الحكايات من الشفهي إلى المكتوب بمشكلة لغوية شائكة: كيف يحافظ على الحكاية الشفهية وروحِها وجوِّها عند كتابتها. ولا شك في أنّ تجربة الروائيين العرب في معالجة لغة الحوار لم تكن مشجعة له، فقد تعدّدت خياراتهم بين الالتزام بالمحكي أو الالتزام بالفصيح، أو تبسيط الفصيح، أو تفصيح المحكي، ولم يصلوا إلى حلّ، ولا اتفقوا على صيغة. فإذا كانت هذه هي الحال في الجمل الحوارية البسيطة، فكيف تكون في كتابة الحكاية بكاملها. الهمّ الثاني هو بناء الرواية. والمسألة التي واجهها هي كيف يبني رواية واحدة من مجموعة حكايات متجاورة ومتقاطعة. كيف يبني الواحد من المتعدد مع المحافظة على التعدّد. أما الهمّ الثالث فهو تحويل اللامعنى إلى معنى، أي تحويل المبتذل المعتاد الذي لا نلتفت إليه لفرط اعتيادنا على وجوده، إلى موضوع للنظر والتفكير.


هذه الهموم وسواها سعى الياس خوري إلى إيجاد حلول لها من خلال التجريب، التجريب اللّغوي والتجريب السرديّ، فكان من السبّاقين في الرواية العربية إلى استخدام أساليب التداخل، والتناوب، والتكرار، وإلى تحويل الشخصيات وحكاياتها إلى مرايا بعضها لبعض، وإلى اللجوء إلى لعبة الراوي غير الموثوق الذي يروي الحدث الواحد مرارًا بصِيَغ مختلفة ومضمون مختلف، إلى استخدام "الميتاتخييل" (métafiction)، أي مراودة الرواية لنفسها ولطبيعتها التخييلية ومسار تأليفها، وإلى اعتماد أسلوب "إزالة الألفة" (défamiliarisation)، أي تقديم المألوف من منظور جديد أو بِلغة جديدة لكي يبدو كأننا نراه للمرة الأولى.


وفي كل ما قدّمه الياس خوري، في بناء الرواية ولغتها وأساليبها وتقنياتها وموضوعاتها، وفي كتبه النقدية، وفي مقالاته الصحافيّة، ومداخلاته في الندوات الثقافية، كان هناك هاجس لا يفارقه، وهو الصراحة في الحديث والحرية في الكتابة. فقد مارس حريته في اختيار طريقه السياسي المخالف لاختيار بيئته في الأشرفية، واستمر في سلوك هذا الطريق رغم المضايقات. ومارس حرّيته في انتقاد تجاوزات المنظّمات الفلسطينية في روايته "الوجوه البيضاء"، إلى الحدّ الذي حمل هذه التنظيمات على مصادرة الرواية من المكتبات. ومارس حرّيته في كتابة المقالات السياسية في مجلّة "شؤون فلسطينية" إلى حدّ الاصطدام بياسر عرفات وتقديم استقالته من "مركز الأبحاث الفلسطينية"، ورفضِ التراجع عنها، قائلًا لعرفات: لا أستطيع أن أكون معك، لأنه ليس بمقدوري أن أعارضَك.


الصراحة والحرّية كانتا جواز سفره إلى الحقيقة، وهي الغاية التي لم يساوم يومًا عليها.



باحث وناقد

ألقيت خلال إحياء السنويّة الأولى لرحيل الروائي والكاتب والناقد الياس خوري (1948 - 2024) مساء الإثنين 15 أيلول 2025 في "المكتبة الوطنيّة"- الصنائع، بيروت، بدعوة من وزير الثقافة غسان سلامة وبدعوة من رئيس الحكومة نواف سلام.