استندت وسائل الإعلام التقليدية بين الفينة والأخرى عبر تاريخها الحافل بالنجاحات والسقطات، إلى "مصادر كاذبة"، عن علم مسبق أو من دونه، كما عمدت إلى تحوير الحقائق واتبعت سياسة التعتيم المقصود في تغطياتها لأحداث متفاوتة الأهمّية لا تخدم أجندات الجهات المموّلة والداعمة لها على اختلافها. هذا الأمر لا يعني أن كلّ ما تنقله تلك الوسائل الإعلامية خاطئ بطبيعة الحال، بل تبقى في أحيان كثيرة أفضل من الوسائل البديلة الأخرى التي تضخّ الكثير من الأخبار التي لا تمتّ للحقيقة بصلة على مدار الساعة، إلّا أن هذا الواقع يحتّم على المتابعين الحرصاء على دقة المعلومات التي يستقونها، التحقّق من المعطيات المعروضة أمامهم. لكن الجماهير المُستهدفة غالبًا ما تغرق في "مستنقعات الأضاليل" أو القصص المُحرّفة، لتُستخدم كالبيادق لتحقيق غايات لا علاقة لها بالضرورة بالقضية المطروحة.
لا أحاول هنا تشريح عمل وسائل الإعلام التقليدية أو إعطاء دروس مهنية لها، بل الإضاءة على "ممارسات قذرة" ازدادت حدّيتها وتوسّع نطاقها خلال السنوات الأخيرة عند بعض وسائل الإعلام "اليسارية الليبرالية" في الغرب، وتحديدًا في أميركا. مَن لا يذكر مقتل الأفريقي - الأميركي جورج فلويد خلال توقيفه من قِبل "الشرطي الأبيض" ديريك شوفن في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية عام 2020؟ طبعًا لا أحد، أقلّه مِن مَن يُتابعون بالحدّ الأدنى التطورات الأميركية. حَكَمَت كبرى وسائل الإعلام بسرعة البرق آنذاك على أن أفعال شوفن، الذي كان متزوّجًا من آسيوية - أميركية، ورفاقه، تجسّد عنصرية ضدّ السود، وحَوّلت "مُدمن مخدّرات" له تاريخ حافل في مخالفة القوانين إلى "بطل قومي" ووضعته بمكانة المناضل مارتن لوثر كينغ جونيور.
هذه السردية المضلِّلة التي "هُندِست" لتحاكي تطلّعات "أجندات خبيثة"، حَرّضت ضدّ الشرطة والنظام العام وألهبت الأجواء لإشعال مدن أميركية عدّة، حيث عَمّت أعمال النهب والتخريب والحرق التي استهدفت الأملاك العامة والخاصة، لتصل الحال عند بعض أصحاب المحال من الأفارقة - الأميركيين إلى وضع ملصقات على واجهات مؤسّساتهم تفيد بأن أصحابها من السود، لكي يُنقذوها من التعفيش والتدمير. هذا الضخ الإعلامي الهدّام أدّى دورًا سوداويًا بامتياز في خدمة "أيديولوجيات حقيرة" تهدف إلى تغيير الستاتيكو القائم جذريًا بنشر الفوضى والغوغاء، بالتحالف مع جهات سياسية كان لها مصلحة بتخريب الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس ترامب الأولى وإضعاف احتمالات تجديده لولاية ثانية في ذروة تفشي وباء "كوفيد" خلال عام انتخابي حسّاس.
لم تجذب قضية مقتل إيرينا زاروتسكا، اللاجئة الأوكرانية الهاربة من جحيم الغزو الروسي إلى "أرض الأحلام" أميركا، اهتمام تلك الوسائل الإعلامية كقصّة فلويد المثيرة للهيجان الشعبي، بل كانت تتعارض مع "أجندتها التقدمية". لماذا؟ ببساطة لأن زاروتسكا شابة بيضاء بريئة طُعنت بوحشية بسكين الأفريقي - الأميركي ديكارلوس براون جونيور، و"خطيئتها المميتة" أنها جلست أمامه داخل قطار في مدينة شارلوت بولاية نورث كارولاينا الشهر الماضي. تغطية هذه الجريمة التي قد تكون دوافعها عنصرية، بمهنية، تضرّ بقوّة بالسرديات البالية الصادرة عن "ماكينات التضليل" الإعلامية التي تلوّث بها مسامع متابعيها في سبيل "غسل أدمغتهم".
لهذا، وانسجامًا منها مع مقارباتها القائمة على "ازدواجية المعايير"، اختارت "مطابخ السمّ" عن سابق تصوّر وتصميم التعتيم على مقتلها وعدم تناول هذه الجريمة البشعة من أساسها. ولولا وسائل التواصل الاجتماعي ومنصّات "البودكاست" اليمينية والناشطين المحافظين وحملتهم المُمنهجة والمكثفة لتغطية مقتل زاروتسكا وتبني نشر قضيّتها المأسوية، لما كنا قد سمعنا باسمها حتى اللحظة ولما أُحرجت تلك الوسائل الإعلامية لتتناول قضيّتها متأخرة، بخجل وبطريقة سطحية ومختلفة للغاية عمّا فعلته مع مقتل فلويد. تخيّلوا للحظة لو كان القاتل ديكارلوس من أصحاب البشرة البيضاء والضحية إيرينا سوداء، الأكيد أن التغطية الإعلامية كانت لتكون مغايرة كلّيًا، وكانت مدن أميركية عدّة دفعت فاتورة باهظة لشغب الرعاع وإجرامهم.
ليس غريبًا أن الناشط المسيحي المحافظ تشارلي كيرك، الذي اغتيل بـ "رصاصة يسارية حاقدة"، كان مِن الذين تجندوا لتسليط الضوء على قضية مقتل زاروتسكا. ولا عجب إطلاقًا أن تتعرّض قضية اغتيال كيرك للتشويه والتحريف والتوجيه الأيديولوجي من قِبل تلك الوسائل الإعلامية بالذات. فما إن كُشف اسم القناص تايلر روبنسون، أزمع الإعلام "اليساري الليبرالي" على التذاكي والالتفاف على دوافع روبنسون الفكرية وتوجّهاته الظلامية للتركيز على أن عائلته محافظة مؤيّدة لترامب، علمًا أن المتهم ذو ميول يسارية متطرّفة واضحة وتقصّد نقش "رسائل سياسية" على الرصاصات التي كانت بحوزته على غرار "يا فاشي خُذ" و"بيلا تشاو". ولا بدّ من الإشارة أيضًا إلى أن روبنسون، صاحب فكر "الفاشية الجديدة"، يواعد ذكرًا في طور "التحوّل جنسيًا" ويسكن معه. لكنّ ناشطين يساريين سارعوا إلى تبني رواية مفادها أن روبنسون "ترامبي"، فهذه "قصّة مثالية" بالنسبة إليهم وتخدمهم ويرغبون بسماعها، وتاليًا يسهل عليهم تصديقها ونشرها بشغف قلّ نظيره.
لم تنجُ أفكار كيرك وأقواله من حملة التزييف العشوائية والمنظمة على السواء، وهذا أمر غير مستغرب، فمَن يحتفل باغتيال ناشط كان يدعو إلى الحوار والنقاش والمناظرة لمقارعة الحجّة بالحجّة والفكرة بالفكرة، تفاديًا للانزلاق نحو "الحرب الأهلية"، ليس مفاجئًا أن يكون مغشوشًا أو منحطًا يحترف الخداع المتعمّد. صحيح أن ممارسة المكر ليست حكرًا على تيّار محدّد أو فئة معيّنة، بيد أن مستوى انحدار الكثير من وسائل الإعلام "اليسارية الليبرالية" بلغ قعرًا مرعبًا في العقد الأخير. ورغم كلّ محاولات "الدوزنة" لمواكبة التحدّيات التي تفرضها المنافسة، ما زالت المعضلة قائمة. عندما يتفجّر "الجنون الجماعي" تجرف "سيوله القاتلة" الجماهير نحو أنهر "المجاري الفكرية"، حيث ستدفن الحضارة الغربية ما لم تنقذها "صحوة تاريخية" قد تحييها دماء تشارلي كيرك.