يشكّل ملف سلاح "حزب الله" أحد أعقد القضايا في لبنان منذ اتفاق الطائف. لسنوات طويلة، تمكّن الحزب من فرض معادلة أن سلاحه خارج النقاش، باعتباره "سلاح المقاومة" في مواجهة إسرائيل. لكن التطورات الأخيرة، داخلياً وإقليمياً ودولياً، دفعت ولا تزال باتجاه مسار جديد يُظهر أن الحزب بدأ يقتنع، ولو تدريجياً، بواقع أن مسألة السلاح مطروحة بشكل جدي على طاولة البحث، وأن تجاهلها لم يعد ممكناً.
أولاً: أسباب الاقتناع التدريجي
1. الضغوط الدولية والإقليمية: المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ربطا أي دعم اقتصادي وعسكري للبنان بمدى تقدّم الدولة في مسار بسط سلطتها الكاملة. كما أن التحولات في المنطقة، من الاتفاقات العربية – الإسرائيلية إلى المفاوضات الأميركية – الإيرانية، ضيّقت هامش المناورة أمام الحزب.
2. الوضع الداخلي اللبناني: الانهيار المالي والاقتصادي جعل الأولويات مختلفة. فالسلاح لم يعد يُقدَّم في الوعي الشعبي كعامل قوة، بل كأحد أسباب عزلة لبنان وإضعاف مؤسساته. هذا التحوّل في المزاج العام بدأ الحزب يدركه جيداً.
3. التجارب الإقليمية: نموذج “الحشد الشعبي” في العراق وما واجهه من أزمات مع الدولة والمجتمع الدولي، يُعتبر جرس إنذار للحزب. فبقاء سلاح خارج سلطة الدولة يضعف الاستقرار على المدى الطويل.
4. حسابات الحزب الاستراتيجية: الحزب لا يريد أن يدخل في مواجهة داخلية مباشرة قد تؤدي إلى حرب أهلية أو إلى عزله بالكامل. خاصة بعد ظاهرة تخلي حلفائه لذلك، الانخراط في نقاش منظم حول السلاح بات وسيلة لتخفيف الضغوط، ولو مرحلياً.
ثانياً: كيفية التعامل مع الملف
رغم إدراكه لواقع نزع السلاح، يسعى "حزب الله" إلى إدارة النقاش وفق قواعد تحفظ له مكاسب أساسية:
• المماطلة الإجرائية: إطالة أمد الحوار حول الاستراتيجية الوطنية للأمن ريثما تتضح التوازنات الإقليمية.
• المناورة الخطابية: إبداء استعداد مبدئي للنقاش، لكن ضمن سقف “الجيش والشعب والمقاومة”.
• طرح تسويات جزئية: مثل وضع بعض أنواع السلاح تحت وصاية مشتركة مع الجيش، أو دمج عناصره في أجهزة أمنية، مقابل الاحتفاظ بالصواريخ الدقيقة والقوة الصاروخية التي يعتبرها خط الدفاع الأخير.
• التأثير عبر الحلفاء: استخدام موقعه داخل الحكومة والبرلمان لتعطيل أي مسار يؤدي إلى فرض قرار ملزم بشأن نزع السلاح.
• إضاعة الوقت بانتظار الانتخابات النيابية: الحزب يعتبر أن أي استحقاق انتخابي يشكّل فرصة لتجديد شرعيته الشعبية والسياسية، وبالتالي فهو يفضّل إبقاء النقاشات مفتوحة ومجمّدة حتى يحسم نتائج الانتخابات المقبلة. فإذا نجح في الاحتفاظ بكتلته وحلفائه، سيجد نفسه في موقع أقوى لمواجهة الضغوط، أما إذا خسر التوازن البرلماني، فسيعيد حساباته.
ثالثاً: السيناريوهات المتوقعة
1. التسوية التدريجية: وهي الأكثر ترجيحاً، حيث يتم الاتفاق على خطوات مرحلية، مثل دمج تدريجي للعناصر وتقييد حركة السلاح الثقيل، مع الإبقاء على “قدرة ردع” بيد الحزب إلى حين تسوية إقليمية أوسع.
2. المراوحة الطويلة: بقاء الملف مفتوحاً في إطار نقاش الاستراتيجية الوطنية، من دون أي خطوات عملية، ما يسمح للحزب بالاستمرار في وضعيته الحالية، على الأقل حتى الانتخابات النيابية.
3. الضغط الخارجي المكثف: في حال قررت الولايات المتحدة أو أوروبا ربط المساعدات كلياً بمسار نزع السلاح، سيُضطر الحزب إلى تقديم تنازلات إضافية، وربما القبول بترتيبات أوسع مع الجيش.
4. التصعيد الأمني: وهو السيناريو الأخطر، إذا شعر الحزب أن الضغوط تتجه نحو فرض نزع السلاح بالقوة أو عبر عقوبات خانقة، فقد يلجأ إلى استخدام أوراقه الأمنية لفرض أمر واقع جديد.
بعد هذا العرض نجد أن التحوّل في موقف "حزب الله" لا يعني أنه سيُسلّم سلاحه قريباً، لكنه يُظهر إدراكه بأن المرحلة المقبلة تختلف جذرياً عن السابق. الحزب بات يتعامل مع السلاح كملف تفاوضي لا كـ”خط أحمر مطلق”. وهذا بحد ذاته يعكس تغييراً في المعادلة الداخلية والإقليمية، وقد يكون الهدف الفعلي الآن هو كسب الوقت حتى الانتخابات المقبلة، حيث يأمل الحزب في إعادة تثبيت شرعيته السياسية وتحصين موقعه التفاوضي، قبل الدخول في أي تسوية كبرى تتعلق بسلاحه ودوره في الدولة.