كل المؤشرات السياسية والميدانية تؤكد أن الكفّة العسكرية ستبقى هي الراجحة في الحرب الإسرائيلية على ما تبقّى من قطاع غزة في المدى المنظور. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مضى في خطة اجتياح مدينة غزة، ضاربًا بعرض الحائط تحذيرات الأمنيين، وعلى رأسهم رئيس الأركان إيال زامير، الذي أدخل الجيش على مضض في "أتون" اجتياح المدينة، لإدراكه أن ما تبقّى من أسرى إسرائيليين على قيد الحياة، زجّت بهم حركة "حماس" على الأرجح في غياهب مدينة غزة، التي تُعدّ الحصن الأخير للحركة المنهَكة.
لا ريب في أن ورقة الأسرى هي الورقة الأقوى المتبقية في يد "حماس"، التي حذرت صنّاع القرار في تل أبيب أخيرًا، من أن هؤلاء الأسرى باتوا يتوزعون داخل أحياء المدينة، ومن أنها "لن تكون أحرص على حياتهم من نتنياهو، الذي قرّر قتلهم باستمرار عملية احتلال المدينة". ويأتي إعلان "حماس" ليؤكد المعلومات التي كشفت أن الحركة وفور بدء اجتياح المدينة، أخرجت الأسرى من الأنفاق، ووزعتهم على الأبنية فوق الأرض، لتستخدمهم بالتالي دروعًا بشرية، ما يُلهب حتمًا الشارع الإسرائيلي، الذي يغصّ بآلاف المطالبين بإبرام صفقة وإطلاق الأسرى.
لفت المراقبين العسكريين تقدّم الجيش الإسرائيلي الحذر والبطيء نسبيًا في المدينة، مقارنة مع تقدّمه السريع لدى اجتياحه القطاع بعيد عملية "طوفان الأقصى"، رغم أن "حماس" في حينها لم تكن منهَكة في بداية الحرب، بل كانت تقيم خطوط دفاع، أمّا الآن فالحركة تكاد تلفظ أنفاسها العسكرية الأخيرة، ورغم ذلك ينتهج زامير حتى الآن خططًا حَذِرة وبطيئة ومحدودة، حرصًا منه على حياة الأسرى، ولمعارضته القرار السياسي باجتياح المدينة والغرق في وحولها، وهو يعوّل من خلال إبطاء الهجوم، على انفراجة تفاوضية ما، تنتهي بإذعان الحركة وبالإفراج عن بعض الأسرى، ناهيك عن حال الإرهاق التي تُصيب الجيش الإسرائيلي، الذي يقاتل منذ نحو سنتين في القطاع المنكوب.
سياسيًا، لا شك في أن "بيبي" يواصل سيره في هدى الضوء الأخضر الأميركي غير المسبوق الذي يمنحه إيّاه قاطن البيت الأبيض، فلطالما حدّدت واشنطن سقفًا زمنيًا للحروب الإسرائيلية على الدول العربية، إلّا أن الحرب الأخيرة على غزة، لم تعترضها أي مكابح أميركية، وخير دليل على ذلك، فشل مجلس الأمن الدولي أخيرًا في تبني مشروع قرار لوقف إطلاق النار في القطاع وإدخال المساعدات وإطلاق المحتجزين، بعد استخدام الولايات المتحدة حق النقض.
بعض الإعلام العبري واصل صبّ جام غضبه على قرار "بيبي" باجتياح مدينة غزة، معتبرًا أن الجيش استُدرج من قِبل السياسيين لاجتياح المدينة، مع ما يرافق ذلك من أخطار محدقة بحياة الأسرى، وقوات الجيش المتوغلة في وحول المدينة.
الصحافي سامي بيرتس كتب في "هآرتس" أن زامير تم جرّه من قبل نتنياهو إلى احتلال مدينة غزة، متسائلًا كيف يمكن طاعة نتنياهو هكذا؟ لماذا لا تنهض جهات عاقلة في الائتلاف ومنظومة الأمن وتضع حدًا لهذا الجنون؟ وأضاف بيرتس أن نتنياهو مسؤول عن الإخفاق الكبير في تاريخ الدولة، وهو غير مستعدّ للمحاسبة على مسؤولياته، ولذلك يطيل أمد الحرب، المرّة تلو الأُخرى، وقد أرسل إلى البيت كلّ مَن كان مسؤولًا عن الإخفاق في الجيش و"الشاباك"، ويبدو كأنه يبحث عن الإنجاز النهائي الذي سيُنسينا مسؤوليته، ومحاولة الاغتيال الفاشلة لقيادة "حماس" في قطر، كان يُفترض أن تكون ذلك الإنجاز، لكنها فشلت، والآن يبحث نتنياهو عن هذا الإنجاز في مدينة غزة، على حساب حياة الجنود والرهائن، خاتمًا أن هذه هي الحال الأخطر التي يمرّ بها نتنياهو منذ انتخابه رئيسًا للوزراء.
الكاتب في الصحيفة عينها عاموس هرئيل، لفت إلى التقدّم البطيء للقوات البرية في هذه المرحلة، والذي يتم بحذر شديد، بعكس دخول الجيش الإسرائيلي إلى القطاع في أواخر تشرين الأوّل عام 2023، عندما تحرّكت الوحدات في العمق بسرعة كبيرة، رغم أن تحصينات "حماس" الدفاعية، آنذاك، كانت أصعب اختراقًا مِمّا هي عليه الآن. وأضاف هرئيل أن رئيس الأركان، الذي تجادل مع نتنياهو في شأن العملية حتى اللحظة الأخيرة، واستمرّ في الضغط عبثًا من أجل إبرام صفقة تبادل أسرى جديدة، يحدّد وتيرة التقدّم وطبيعة عمل الوحدات بأنها حرب استنزاف بطيئة وحذرة، وليس اقتحامًا مباشرًا، وقد حذّر زامير الأسبوع الفائت، من سيناريو رعب قد تلجأ فيه "حماس" إلى التضحية بالأسرى، كوسيلة للانتقام وبثّ الرعب في إسرائيل. ووصف الكاتب الإسرائيلي نتنياهو، الذي يقود إسرائيل إلى تعميق الحرب في القطاع، مع احتمال ضئيل للنصر، بالزعيم الفاشل والمعزول والمطارد، والمصمّم على التمسّك بالسلطة بكل الوسائل.
بدوره، المحلّل في إذاعة الجيش الإسرائيلي دورون كادوش ربط سبب تقدّم الجيش البطيء في غزة بوتيرة تهجير الفلسطينيين من المدينة، حيث يكثّف تفجير الأبراج السكنية والعمارات، في سياسة تهدف إلى إجبار الفلسطينيين على النزوح إلى مناطق جنوب القطاع. وأشار كادوش إلى أن "كبار مسؤولي الجيش يطلقون على هذه المرحلة اسم مرحلة الاستقصاء"، مقدرًا أن مقاتلي "حماس" المتحصنين في قلب المدينة يتراجعون من دون مواجهة مباشرة مع القوات، إذ يدرسون اتجاهات التحرّك ويخططون لمزيد من الخطوات.