في لبنان، لا تفاجئنا الأمطار بل تُغرقنا. فمع كل "شتوة"، يتحوّل المشهد من موسمي إلى مأسوي: طرقات رئيسية تغرق، سيارات تُحتجز لساعات وسط المياه، ومواطنون عالقون في طقس لم يكن ينبغي أن يتحوّل إلى أزمة. وكأن البنية التحتية في هذا البلد لا تعترف بالفصول، أو كأن التخطيط لا يعترف بالمواسم.
سنوات مرّت على هذه الحال، والتحذيرات تتكرر، والنتائج ذاتها: عجز واضح في الاستعداد، غياب للتنسيق بين الجهات المعنية، وتعديات لا رقيب عليها تسدّ مجاري التصريف وتفاقم الكارثة.
تُطرح الوعود في الخريف، وتظهر الكارثة مع أولى زخات المطر، ثم تُطوى الصفحة بانتظار شتاء جديد وكارثة جديدة.
وفي كل عام، يعود السؤال نفسه: هل ستبقى الأمور على حالها؟ هل سنواجه المشهد ذاته مع كل تساقط للأمطار؟ أم أن هناك من يعي فعلًا أن ما يحصل لم يعد يحتمل، وأن الحل لا يكون بالمسكنات بل بإصلاح جذري يبدأ من التخطيط وينتهي بالتنفيذ والمتابعة؟
وفي حديث لـ"نداء الوطن"، أشار النائب نزيه متّى إلى أن وزارة الأشغال، وعلى رأسها الوزير، تتعامل بجدية مع ملفاتها، آملاً أن يحظى ملف تصريف مياه الأمطار بالاهتمام اللازم، ومعربًا عن أمله في أن تكون الوزارة قد اتخذت الاحتياطات الضرورية لتفادي المشاكل المتكررة التي تشهدها البلاد سنويًا خلال فصل الشتاء.
وأوضح متّى أن البلديات التي يتواصل معها، خصوصًا في منطقة عاليه، تُبدي اهتمامًا واضحًا بهذا الملف، وتتخذ الإجراءات المناسبة، ولكن الجميع يعلم أن الإمكانيات محدودة.
أما في ما يتعلق بمدينة بيروت، فقال: "لا أملك أي فكرة عن الوضع في بيروت، ولكن يجب العمل سريعًا كي نتجنّب ونُجنّب المواطنين ما كان يحدث من أضرار في السنوات السابقة".
وعن الأسباب التي تؤدي إلى غرق بعض المناطق كل عام رغم التحذيرات المسبقة، قال: "المشكلة غالبًا ما تكون تقنية أو نتيجة تأخر في أعمال الصيانة، ومن الممكن أن يكون هناك خلل في بعض التمديدات، لذا يجب الكشف والمعالجة باكرًا لتفادي الوقوع في المحظور".
وتابع متّى: "في منطقة عاليه مثلًا، شهدنا العام الماضي طوفانًا كبيرًا، وتبيّن أن السبب هو التعديات على مجاري المياه من قبل المواطنين، حيث يتم إغلاق القنوات أو البناء فوقها بشكل عشوائي ومخالف".
وعما إذا كانت المشكلة تكمن في البنية التحتية أو فقط في الصيانة، أوضح أن "المشاكل تختلف من منطقة إلى أخرى. ففي بعض المناطق، وخصوصًا في بيروت، تكون المشكلة غالبًا متعلقة بالصيانة، بدليل أن أول شتوة تتسبب بتجمع المياه، ثم تُحل المشكلة بعد تنظيف المجاري، ولا تُسجّل مشاكل طوال الشتاء. أما في المناطق التي تعاني طيلة السنة، فالمشكلة غالبًا ما تكون في التمديدات الأساسية".
وأكد متى أن "التجارب السابقة أظهرت وجود تقصير من الجهات المعنية"، مشددًا على "ضرورة وجود تخطيط أوضح وتنسيق أكبر بين الوزارات وجميع السلطات المحلية". وعن التمويل المتوفر لصيانة المجاري وتصريف مياه الأمطار، قال: "بحسب معلوماتي، هناك عمل يُجرى على هذا الملف، ولكن لا أعلم ما إذا كان هناك تمويل متوفر حاليًا". وختم قائلًا: "هناك ثلاث خطوات أساسية يجب التركيز عليها: البدء المبكر بأعمال صيانة مجاري المياه والممرات، وعلى جميع المستويات: الوزارات، البلديات، والجهات المعنية. في المناطق التي تُسجّل فيها مشاكل متكررة، يجب إعادة النظر في البنية التحتية وتوسيع المجاري إذا لزم الأمر. وتنظيف المجاري بالشكل الصحيح، وإزالة جميع التعديات عليها مهما كلف الأمر".