تختبئ حماس في غزة خلف شعار “المقاومة”، وترفض تسليم السلاح كما تصرّ على الاحتفاظ بالرهائن مع إبقاء القطاع رهينة الانقسام.
هذه المعادلة لا ترهق إسرائيل كما يتخيّل البعض، بل تمنحها الذريعة الأمثل لتدمير غزة بلا حسيب ولا رقيب، وبدلاً من أن تكون فضيحة الاحتلال، تحولت إلى أداة في يده، لتكريس قناعة لدى الغرب أن ما تقوم به ليس إلا دفاعًا عن النفس لكي لا يتكرر طوفان الأقصى ولا ينتقل الإرهاب ويتمدد باتجاههم.
حتى الاستهداف الأخير الذي طال حماس في قطر لا يخرج عن هذه القاعدة، فمصلحة إسرائيل تبقى واحدة، وهي التخلص ممن تجرأ على التطاول عليها، ومنح نفسها الحجة والغطاء الدولي للضربة أو التحريض، وهذا لا يعني بالضرورة رغبة حقيقية في إنهاء الحرب أو استعجال تحرير الرهائن بل على العكس، يبقى ملف الرهائن ورقة سياسية وتفاوضية تمنح تل أبيب هامش تحرّك أكبر وإمكانية لإطالة أمد الصراع عندما يخدم مصالحها التكتيكية والاستراتيجية، فبي بي نتانياهو لا يريد أساساً إطلاق سراح الرهائن حالياً لكي تبقى الحجة ويبقى الدعم ويستمر التنفيذ.
في طهران، يتواصل العناد النووي في خطاب التحدي والتمسك بالبرنامج النووي وهو الوقود الأغلى في ماكينة الدعاية الإسرائيلية، فتل أبيب لا تحتاج إلى قنبلة إيرانية لتصرخ: “وجودنا مهدَّد”. يكفي التلويح بالنية كي تحشد الغرب وراءها، وتبرر تفوقها العسكري، وتُطلق يدها في ضرب كل ما يحيط ويتخطى حتى حدودها وكل جولة تفاوض عقيمة مع إيران، هي انتصار جديد لإسرائيل.
في العراق واليمن، يرفع الحشد الشعبي والحوثيون راية العداء لإسرائيل لكن وجودهم وحركاتهم وتحركاتهم، يتقدَّم على أنها دليل إضافي على أن إسرائيل “مطوَّقة بأذرع إيران”. وهكذا تتحول كل صواريخهم وشعاراتهم إلى مادة تبريرية لأي عدوان إسرائيلي جديد، لا على فلسطين فقط، بل على المنطقة كلها. وها هي اليوم أصبحت تنتظر الصاروخ اليمني الواحد الذي لا يشكل أي تهديد يذكر عليها، لتخوض جولة جديدة من التدمير والتوسع.
أما وضع لبنان فهو الأشدّ وضوحًا حيث يتمسك تنظيم حزب الله بسلاحه ويضعه فوق سيادة الدولة، مصنفاً إياه على أنه “درع المقاومة”، لمواجهة إسرائيل وفي الحقيقة هو الورقة الأثمن في يد إسرائيل.
يقدم سلاح الحزب في لبنان لإسرائيل مبرر بقاءها في الجنوب وحتى إمكانية تبرير أي غزو مستقبلي، ومن خلاله تسوّق للعالم فكرة أن حدودها الحالية ضيقة وغير آمنة. وفي هذا السياق تأتي سردية المنطقة العازلة أو الاقتصادية التي لم نسمع بها سابقاً وبفضل "مدى تلك الصواريخ" تسعى إسرائيل لتأمين "مدى" يحميها ومنه تكرّس مشروعها الأخطر، "إسرائيل الكبرى".
الشرق الأوسط غارق في فوضى إسرائيل التي تقصف وتحتل وتتمدّد، ومحور يسمّي نفسه “الممانعة” يرفع الشعارات ويتسلّح ويتعنّت إما في النتيجة، خدمة مجانية لبعضهما البعض، نعم، خصمان في الظاهر، لكنهما في الجوهر وجهان لعدو واحد: إسرائيل بعدوانها، و”الممانعة” بذرائعها.
الخلاصة صادمة لكنها حقيقية، فما يسمّى “بمحور الممانعة” لا يحاصر إسرائيل بل يمنحها الحياة، لا يكسر مشروعها بل يبرره. كل شعار يرفعونه يتحول إلى رصاصة في بندقية العدو، وكل عناد وسلاح، وبرنامج نووي، يتحول إلى ذريعة تمدّد بها إسرائيل احتلالها وتوسّع به نفوذها.
التخادم أصبح فاضح، المستفيدان عدوان يتبادلان المنافع على حساب دولنا وشعبنا العربي في كل من فلسطين ولبنان والعراق واليمن.