يشكّل الموقف الأخير الذي أعلنه الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم تجاه التعاون مع السعودية، انعطافة لافتة في خطاب "الحزب"، تكشف بوضوح حجم المأزق الذي يعيشه. ولتفسير هذا التحوّل، يمكن الاستعانة بما يُعرف في علم السياسة بـ"نظرية الألعاب" (Game Theory)، وهي مقاربة رياضية – سياسية تدرّس استراتيجيات اللاعبين حين تتقاطع مصالحهم وتتناقض. المثال الأشهر هنا هو معضلة السجين (Prisoner’s (Dilemma: إذا أصرّ كل طرف على الخيانة خسر الاثنان، أما إذا اختارا التعاون فربحهما مشترك، ولو كان أقل. هذه المعادلة تصلح لتوصيف وضع "حزب الله" اليوم: الاستمرار في المواجهة سيعني خسارة مدوية في ظل واقع إقليمي ودولي متغيّر، بينما التراجع التكتيكي نحو الانفتاح قد يمنحه فرصة تنفّس.
لكن يجب أن يكون واضحًا، أنّ أي قراءة لمواقف "الحزب" لا يمكن فصلها عن إيران. فـ"حزب الله" ليس لاعبًا لبنانيًا مستقلاً، بل جناح أساسي من أجنحة المشروع الإيراني في المنطقة. من هنا، عندما يتحدّث نعيم قاسم عن السعودية، فهو عمليًا ينطق بلسان طهران ويعكس حساباتها المعقدة. إيران، التي تخضع لضغوط اقتصادية وسياسية هائلة، تجد نفسها أمام معضلة السجين ذاتها: إما أن تواصل المواجهة المباشرة فتخسر المزيد، أو أن تنفتح بحذر بحثًا عن توازنات جديدة. في هذا السياق، يصبح "حزب الله" في موقع "السجين" الذي يمثّل إيران نفسها: إمّا أن يواصل سياسة المواجهة المباشرة فيخسر على المدى الطويل، أو أن ينفتح بحذر بحثًا عن معادلة أكثر ربحًا.
في الداخل اللبناني، لا يمكن لخطاب قاسم أن يُمرّر بسهولة. جمهور "المقاومة" الذي تربّى على أنّ السعودية رأس الحربة في مواجهة "الحزب" يجد نفسه أمام تحوّل صادم. عائلات الشهداء وأنصار "الحزب" الذين قدّموا التضحيات في معارك وخطابات ضد هذا المحور مَدعوون اليوم لتقبّل لغة جديدة تقول بالتعاون والانفتاح. يضع "الحزب" بذلك قاعدته الشعبية أمام معضلة قاسية: هل يبتلعون الخطاب الجديد بوصفه مناورة استراتيجية؟ أم يشعرون بأنهم خُدعوا بشعارات لم تصمد أمام اختبار الواقع؟
والأهم أنّ هذا الموقف لا يمتّ بصلة إلى السياسة الرسمية اللبنانية. فـ"حزب الله" يتحدّث ويغرّد منفردًا، خارج إطار الدولة والحكومة. العلاقات بين الدول تُبنى بين كيانات رسمية متكافئة، عبر القانون الدولي والدبلوماسية، وليس عبر فصيل مسلّح خارج الشرعية. من هنا، فإن الخطاب الأخير لا يضع السعودية أمام خيار جديد بقدر ما يضع "الحزب" نفسه في مأزق أكبر: لقد أُحرج فأُخرج، ولم يعد أمامه سوى الاعتراف بالحقيقة المرّة، أنّ لا مستقبل له خارج الدولة اللبنانية. الطريق الوحيد المتاح هو تسليم سلاحه والانخراط تحت جناح الشرعية الوطنية، لا فرض نفسه بديلًا عنها.
التاريخ مليء بأمثلة على حركات وجماعات اضطرت إلى تبديل خطابها تحت وطأة التحولات الكبرى. من نيكسون الذي مدّ اليد إلى الصين الشيوعية بعد عداوة طويلة، إلى السادات الذي قلب المعادلة مع خصمه التاريخي، كانت هذه التحولات صادمة لكنها عبّرت عن ميزان قوى لا يرحم. خطاب نعيم قاسم يقع في السياق نفسه: خطوة تكتيكية فرضتها الظروف وليست خيارًا حرًّا. لكن الفارق أنّ تلك الخطوات كانت مبنية على شرعية الدولة، بينما هنا نحن أمام فصيل مسلّح يزاحم الدولة على سيادتها.
وفي قراءة واقعية لسياسة القوة، يجدر بنا الاستشهاد بمقولة مكيافيلي الشهيرة التي تلخّص منطق السياسة الواقعية: "أفضل أن تُخشى من أن تُحبّ، إن لم يكن ممكنًا أن تكون الاثنان معًا". هذه العبرة تنطبق هنا؛ عندما تُضطر الجهات الفاعلة إلى إعادة حساباتها فإنها تفعل ذلك من موقع الضرورة والبحث عن ضمانات البقاء، لا من موقع الخلاص الأخلاقي.
الخلاصة أنّ ما قيل ليس مبادرة بطولية بقدر ما هو اعتراف بالعجز وإقرار بالحقيقة: "حزب الله"، الذي طالما قَدّم نفسه لاعبًا فوق الدولة، يجد نفسه اليوم محاصرًا بالوقائع. داخليًا بأزمة اقتصادية خانقة ورفض شعبي متصاعد، وخارجيًا بضغوط إقليمية ودولية لا ترحم. إنّها لحظة الحقيقة: إما العودة الكاملة والشفافة إلى الدولة اللبنانية والمؤسسات الرسمية، وتسليم السلاح واندماج المقاتلين في إطار الدولة وقوانينها، أو الاستمرار في لعبة خاسرة تقوده حتمًا إلى مزيد من العزلة والانهيار. لم يعد هناك مناورات ممكنة — إما الدولة أو اللا دولة.
أستاذة جامعية