دعوة الشيخ نعيم قاسم الأخيرة لفتح صفحة جديدة مع السعودية ليست مجرد مبادرة لبنانية عابرة، بل هي انعكاس مباشر لحركة إقليمية تقودها طهران. فقد جاءت هذه الدعوة مباشرة بعد زيارة أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، إلى الرياض، وما حملته من رسائل حول التعاون الدفاعي والأمني بين إيران والمملكة. بهذا المعنى، لا تبدو مبادرة قاسم سوى استكمال لخطة إيرانية تهدف إلى إدارة خطوط التهدئة مع الخليج، وليست قراءة لبنانية مستقلة للمصلحة الوطنية.
وقد شرح الدكتور وجيه قانصو الترابط العضوي بين حزب الله وإيران في دراسة موسعة ناقشها في "منتدى جنوبية" بعنوان "السلاح بين الميليشيا والسيادة"، جاء فيها: "مرحلة التأسيس عبّرت عنها رسالة التفاهم التي صدرت في العام 1985 ووضعت المبادئ التأسيسية لـ'حزب الله'. فتجده يعبّر عن نفسه بأنه أمة 'نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم بأوامر قيادة واحدة تتمثل بالولي الفقيه الخميني'. بالتالي هو ليس: 'حزباً أو إطاراً سياسياً'، بل 'أمة ترتبط مع المسلمين برباط عقائدي وسياسي هو الإسلام'."
هذا التلازم بين خطاب حزب الله وخطوات طهران يكشف مأزقاً أعمق: لبنان لا يزال، في نظر قسم من شعبه، ساحة ملحقة بالمحاور، لا دولة قائمة بذاتها. فالمبادرة لم تصدر بلسان مسؤول يتحدث من موقع الدولة، بل بلسان وكيل يترجم أجندة إقليمية. وهنا يظهر التناقض البنيوي الذي يعطل قيام دولة حديثة في لبنان:
- المواطنة تفترض ولاءً حصرياً للبنان باعتباره مصدر الحقوق والواجبات.
- الرعية تنظر إلى الخارج كضامن وحامٍ، وتجعل ولاءها مرتبطاً بدولة أجنبية.
علماً بأنه ليس حزب الله فقط، وإنما قسم كبير من اللبنانيين ما زال يعيش في هذا المنطق. هذه الذهنية ليست جديدة، فهي امتداد مباشر لتركة السلطنة العثمانية التي كرست نظام الملل والإمارات المحلية، حيث سبق الولاء الطائفي والخارجي الانتماء الوطني.وما نراه اليوم في خطاب حزب الله او بعض المجموعات الأخرى ليس سوى إعادة إنتاج لهذه العقلية، حيث تبقى الدولة ثانوية أمام المحور الخارجي، وتُختزل المصلحة الوطنية في وظيفة جيوسياسية.
إن أخطر ما تكشفه مبادرة قاسم أنها تنفي عن لبنان صفة الفاعل وتُكرِّسه تابعاً في لعبة إقليمية أكبر. فهي لا تُبنى على عقد اجتماعي داخلي يُعيد تعريف الدولة ومكانة المواطن. لكن هذا المسار، مهما كانت مخرجاته، لا يعالج أصل الأزمة: - غياب الإيمان المشترك بنهائية الكيان اللبناني وبالهوية الوطنية الجامعة التي يؤمن فيها كل اللبنانيين بأنهم ينتمون لهذه الأرض فقط، وأنهم لبنانيون أولاً.
لبنان اليوم أمام خيارين:
- إما أن يبقى ملعباً للرعايا الذين يستمدون شرعيتهم من الخارج.
- وإما أن يتحول إلى دولة مواطنين تُعيد تعريف علاقتها بالعالم من موقع السيادة لا الوكالة.
إن أي مصالحة منفردة لأي مكون لبناني، سواء مع السعودية أو مع غيرها، لن تكون بنّاءة إلا إذا انطلقت من هذا المنطق الثاني. وما لم تحصل ثورة فكرية ـ سياسية تُعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة، سيبقى لبنان عالقاً في دوامة السلطنة: رعايا موزعون بين المحاور، ودولة عاجزة عن تثبيت ذاتها.
مبادرة نعيم قاسم تكشف في ظاهرها رغبة في التهدئة، لكنها في عمقها ترجمة لخطة إيرانية أكثر منها تعبيراً عن مصلحة لبنانية. وهي في الوقت نفسه تُعيد إظهار مأزق الهوية السياسية في لبنان: مأزق شعب لم يتحرر بعد من عقلية الرعايا التي ورثها عن أجداده زمن السلطنة العثمانية. الحل لا يكون بتبديل الولاءات الخارجية، بل بقطعها جذرياً وبناء دولة مواطنة كاملة السيادة حيث نكون جميعاً لبنانيين أولاً.