قمة قطر والرهان اللبناني على الأمم المتحدة لم تمرّ القمة العربية – الإسلامية الطارئة في الدوحة مرور الكرام على الساحة اللبنانية. فمشاركة لبنان بوفد رسمي ترأسه الرئيس جوزيف عون شكّلت إشارة واضحة إلى أنّ بيروت تريد استثمار هذا الحراك السياسي والدبلوماسي لإعادة تثبيت موقعها في معادلة الصراع المفتوح مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه التذكير بأنّها بحاجة إلى دعم عربي ودولي عاجل في ظل أزمة داخلية خانقة.
لبنان بين التضامن والواقعية البيان الختامي للقمة حمل نبرة غير مألوفة، إذ دعا إلى مراجعة العلاقات مع إسرائيل وصولًا إلى المطالبة بتعليق عضويتها في الأمم المتحدة. هذه اللغة القاسية تلقّفها لبنان بإيجابية، كونها تمنحه غطاء سياسيًا إضافيًا أمام المجتمع الدولي، وتؤكد أنّ الموقف العربي – الإسلامي لا يزال حاضرًا رغم مسار التطبيع الذي اتخذته بعض الدول في السنوات الأخيرة.
لكن خلف هذا التفاؤل تكمن أسئلة كبيرة: هل سيتحوّل البيان إلى خطوات عملية، أم سيبقى حبراً على ورق مثل كثير من بيانات القمم السابقة؟ اللبنانيون يدركون أنّ تاريخ القمم العربية والإسلامية مليء بالقرارات التي بقيت رهينة الأدراج، وأنّ الترجمة العملية تحتاج إلى توافقات إقليمية ودولية معقّدة. قطر لاعب أساسي في دعم لبنان لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته قطر من خلال استضافتها للقمة وإدارتها للنقاشات.
بالنسبة للبنان، هذا الحضور القطري يعكس استمرار التزام الدوحة بدعمه سياسيًا واقتصاديًا. فالمساعدات القطرية خلال السنوات الأخيرة شكّلت متنفسًا لمؤسسات الدولة والجيش، في وقت عجزت فيه الدولة اللبنانية عن القيام بواجباتها. من هنا، ينظر لبنان إلى قطر كحليف استراتيجي يمكن الرهان عليه، خاصة في ظل انقسام الداخل اللبناني وعدم قدرة القوى السياسية على صياغة موقف موحّد تجاه التحديات الكبرى.
الأمم المتحدة: منصة المواجهة المقبلة القمة في الدوحة كانت مقدمة لمواجهة أوسع على الساحة الدولية. فالجمعية العامة للأمم المتحدة تشكّل الآن منصة أساسية للبنان لعرض قضاياه وطلب الدعم.
أولاً، من المتوقع أن يرفع لبنان صوته عاليًا ضد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضيه، مستفيدًا من الزخم العربي – الإسلامي الذي ظهر في القمة.
وثانيًا، سيطالب بدعم واضح لتجديد مهمة قوات اليونيفيل بطريقة تضمن حماية سيادته وتمنع أي خلط في صلاحياتها. على المستوى الاقتصادي والإنساني، سيحاول الوفد اللبناني استثمار المناسبة لحشد تعهدات جديدة بالمساعدات، خصوصًا في ملف النازحين السوريين الذي بات يرهق لبنان اقتصاديًا واجتماعيًا. بين التحديات والفرص الضائعة التحدي الأساسي أمام لبنان يبقى داخليًا.
فبينما يسعى المسؤولون إلى استثمار الأجواء الدولية، تعرقل الانقسامات السياسية أي جهد جدي لتحويل الدعم إلى سياسات عملية. وهذا الخلل الدائم يجعل لبنان يبدو أحيانًا عاجزًا عن الاستفادة من الفرص التي تُتاح له. مع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ قمة قطر أعطت بيروت ورقة سياسية جديدة يمكن البناء عليها في المحافل الدولية.
فإذا أحسن لبنان إدارة حضوره في الأمم المتحدة، وتمكن من توحيد خطابه الرسمي، فقد يجد فرصة لتعزيز موقعه الإقليمي والدولي. لبنان بين اختبار الفرص والخيبات قمة قطر لم تكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل محطة مفصلية أعادت وضع القضية الفلسطينية والاعتداءات الإسرائيلية في صدارة الاهتمام العربي – الإسلامي.
لبنان كان حاضرًا وشريكًا في هذه اللحظة، لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن: كيف سيستثمر نتائج القمة في أروقة الأمم المتحدة؟ الجواب مرهون بقدرة اللبنانيين على تحويل الشعارات إلى سياسات، والاستفادة من الدعم العربي والدولي لتعزيز الدولة ومؤسساتها. فإمّا أن تكون القمة نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من الحضور اللبناني الفاعل، وإمّا أن تبقى فرصة ضائعة تضاف إلى سجل طويل من الإخفاقات.