رغم استنفار قيادة "حزب الله" في مواجهة التطورات السياسية والامنية والعسكرية المتسارعة، الا انها تقيم في ذات الوقت ورشة تنظيمية مستمرة منذ أشهر، تهدف الى إعادة ترميم البنية الداخلية للحزب، بالتنسيق مع خبراء ايرانيين تتنوع اختصاصتهم الأمنية والسياسية والعسكرية، فالحزب الذي لطالما عرف بكونه تنظيماً حديدياً، يشهد نوعاً من حالة التفلت والتراخي داخلياً، وهذه الحالة سابقة لم يعرفها "حزب الله" في ظل أمينه العام السابق السيد حسن نصرالله ، الذي تمكن بقوة شخصيته وحضوره من الامساك بكل مفاصل الحزب.
فمعارضة البعض الابقاء على الشيخ نعيم قاسم أميناً عاماً لـ"حزب الله"، قابلها اصرار ايراني على التمسك بالشيخ قاسم نتيجة موقفه (الشجاع) برأي الايرانيين ، و الذي اتخذه الشيخ قاسم في عز الحرب، والاغتيالات المتلاحقة، وقبوله بتولي هذه المهمة في عز الصعوبات والمخاطر ، بعدما تلكأ غيره أو تهرب من حمل كرة النار.
ولم تنفِ أوساط مقربة من "حزب الله"، وجود تيار واسع معارض لنعيم قاسم، يقوده بصورة خاصة قياديون عسكريون في الحزب، الا ان هذه المعارضة تظل شكلية وغير فاعلة ، طالما ان ايران تظل الراعية والمظلة التي تحتضن الجميع، وهي المرجعية بكل كبيرة وصغيرة.
وعليه فإن الورشة التنظيمية للحزب، تتركز على محاولة ملء الشواغر داخل مجلس الشورى، الذي يضم سبعة أعضاء، لذا فإن النقاشات جارية لتعيين رئيس للمجلس التنفيذي، بدلًا من صفي الدين، والى إجراء تعيينات في الاقسام العسكرية والأمنية والتنظيمية التي خسرت أعداداً من مسؤوليها وكوادرها.
ووفق مصادر خاصة، ان قيادة الحزب تتجه الى استحداث مراكز، أو مناصب تنظيمية جديدة، تتناسب مع ضرورات المرحلة، والتغييرات التي حصلت، والى الغاء بعض الوحدات الأمنية التي انشئت في السابق لحاجات عسكرية، كـ(وحدة النقل) المعروفة بالوحدة 4400 والتي كان مقرّها في دمشق، وكانت مهمتها الاساسية نقل الأسلحة والتجهيزات والمعدات اللوجستية والتي تولاها في السابق محمد جعفر قصير، الذي اغتيل بغارة اسرائيلية في الأول من تشرين الأول 2024 في منطقة بئر حسن في بيروت.
بالمقابل ، فإن الاتجاه السائد داخلياً، نحو تفعيل مؤسسات الحزب الخدماتية والانمائية، كمؤسسة جهاد البناء، ولجنة الامداد وجمعية أخضر بلا حدود والهيئات الصحية، وغيرها من مؤسسات يعتبرها الحزب مدخلاً لشريحة واسعة من بيئته ومن المجتمع اللبناني، وتساهم في تعزيز حضوره على المستوى الشعبي.
وتشير المعلومات الى أن جهد "حزب الله" الأساسي ينصب هذه الأيام على تحصين مواقعه السياسية داخل الدولة، من خلال الانتخابات النيابية المقبلة التي يستعد لها بشكل فاعل للحفاظ على قوته البرلمانية، ومقاعده الوزارية، والى إعادة رسم تحالفاته مع شخصيات سياسية وحزبية فاعلة في الطوائف اللبنانية الاخرى، وقد شُكلت لجان من مسؤولين في الحزب، تنشط في مختلف المناطق وتعقد اللقاءات وتجري مشاورات مع عدد من الأطراف لرسم خارطة طريق التحالفات الجديدة.
فـ"حزب الله" الذي يجري تحولات في خطابه السياسي بشكل تدريجي، يجري في ذات الإطار محاولات لتحويل لـ ( تسييس) الحزب، والتخفيف من ( عسكرته)، وهذه التحولات يقوم بها بطريقة احترافية لا تجعل قاعدته " تنقز" من هذه التحولات، وهي القاعدة التي تربت على شعارات المقاومة وشعارات القدس والتحرير.