لم تكن سجون مثل صيدنايا والمزة وتدمر وحدها تبثّ الخوف في نفوس السوريين. بل شاركتها سجون اخرى، منها ما يُعرف بسجن فرع الخطيب.
لم تكن رهبة هذا السجن نابعة من ارتباطه بجرائم القتل أو السلب أو الانقلابات السياسية والتمرد، بل لأنه ارتبط أساسًا بملفات الجرائم المالية والتهرّب الضريبي، أو ما كان يُصوَّر كذلك. فقد كان فرع الخطيب ، إلى جانب ما عُرف بـ”المكتب السري”، من أبرز الجهات التي تولّت متابعة هذا الملف بمشاركة الأجهزة الأمنية الأخرى، فجعل النظام المالي والضريبي في الوعي السوري مرادفًا للإيقاع بالشرك والعقاب بدلًا من العدالة والتنمية والشراكة.
أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية منذ عدة أيام عن مسودة قانون جديد للضريبة، مطروحة للنقاش العام لمدة ٢١ يوم، بوصفها نقلة نحو نظام أكثر عدالة . يمتاز القانون الجديد المقترح بقدر كبير من الشفافية والتبسيط والتوحيد، ويهدف إلى تشجيع الاستثمار ودعم القطاع الخاص، مع إصلاحات تشمل الفوترة الإلكترونية، إلغاء الاستعلام الضريبي، توسيع الإعفاءات، وإلغاء عقوبة السجن واستبدالها بالغرامات المالية.
القانون القديم كان يقوم على شرائح تصل حتى 35% في بعض القطاعات، مع ضرائب على الأجور بين 13–15%، وإجراءات معقدة تُثقل كاهل الناس ولغة خشبية مبهمة فيها ثغرات مقصودة تستعمل عند الحاجة للإبتزاز والفساد. أما مشروع القانون الجديد فجاء أكثر بساطة ووضوحًا، قائمًا على نسب موحدة:
• 10% للقطاعات المنتجة (الصناعة ، الصحة، التعليم، التكنولوجيا).
• 15% لبقية الأنشطة التجارية والخدمية.
• 6–8% على الأجور والرواتب.
• إعفاء سنوي مقداره 60 مليون ليرة سورية للأشخاص الطبيعيين.
كما شمل المشروع إعفاءات موسعة تطال الزراعة والصادرات والإيداعات المصرفية وأرباح الأسهم والحصص، إضافةً إلى مؤسسات اجتماعية وخدماتية. وهو ما يعكس رؤية أكثر إنصافًا للمكلفين.
كما تضمّنت المسودة حسمًا خاصًا من الضريبة للتبرعات في مجال الأعمال الخيرية والاجتماعية . كما ضمنت حق المكلف في الاعتراض، ولذلك نصت على إحداث محكمة ضريبية خاصة، وتقييد الحجز على الأموال بضوابط صارمة، وفتح باب المصالحة الضريبية بشروط محددة.
نستطيع ان نستخلص أنه اعطي اهتمامًا خاصًا للقطاعات الإنتاجية، إذ بالاضافة لإعفاء الزراعة، يأتي تمييز الصناعة بنسب ضريبية مخففة كخطوة تعكس دعم الإنتاج الوطني على حساب الأنشطة الريعية والاستهلاكية.
أما التحديات التي تواجه القانون الجديد فيمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
تحديات الذهنيات والمفاهيم: بعد أكثر من نصف قرن من قانون ضريبي بُني على اضطهاد الناس والإيقاع بهم، ليس من السهل إقناع المكلفين بمنح الدولة ثقة عمياء أو الدخول معها في مفهوم المصلحة المشتركة. إلى ذلك ، تشكّل الذهنية القديمة المتجذرة في الدولة البيروقراطية العميقة عائقًا مرحليًا، لحين تكّون إدارة وكوادر ذات عقلية جديدة ومنفتحة. ولا شك أن عملية بناء الثقة المتبادلة ليست بالأمر السهل، لكنها تستحق كل الجهد.
تحديات تقنية وتطبيقية: الحاجة إلى جهوزية وبنية تحتية الكترونية تواكب متطلبات تطبيق الفوترة الإلكترونية بشكل عادل وفعّال، خاصةً عند المكلفين الصغار ومكلفي الأرياف والمناطق البعيدة عن المركز. يضاف إلى ذلك ضرورة إيجاد آليات وسياسات تطبيقية تضمن حسن التنفيذ والاستمرارية.
تحديات ضعف إيرادات الدولة: قد تواجه الدولة ضعفًا في المداخيل نتيجة القانون الجديد، وهو احتمال جدي، ما يستوجب التعويض عبر توسيع قاعدة المكلفين وتحسين آليات التحصيل، وربط السياسة الضريبية بدعم النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية.
القانون المقترح، ورغم أنه أعطى امتيازات واضحة للعمل الخيري والتضامن الاجتماعي ، يمكن أنسنته أكثر عبر الخطوات التالية:
• استحداث الحسم الديناميكي، الذي يمنح تخفيضًا إضافيًا على الضريبة للشركات التي توفر فرص عمل بنسب معينة.
• دعم ذوي الاحتياجات الخاصة عبر منحهم فرص توظيف أكبر وامكانية تأسيس شركات خاصة ومساعدة الأسر التي ترعاهم وذلك من خلال إعفاءات أو خصومات ضريبية.
إن قانون الضريبة الجديد ، رغم أنه ما يزال مجرد مسودة، لا يقتصر على مقاربة بحت “تقنية” للموضوع الضريبي بل يحاول أن يبني علاقة ثقة وشراكة لتعزيز الاستثمار والتنمية وذلك نحو صياغة جانب اساسي من العقد الاجتماعي والاقتصادي المطلوب بين السوريين، بين الدولة والمواطن الانسان.
ويبقى الفيصل الاكبر في أن ينجح القانون في الانتقال من مفهوم نصب الشرك إلى مفهوم نصاب الشراكة.