شربل صيّاح

ماكرون وفلسطين: خدعة أم خطوة؟

3 دقائق للقراءة

جاء إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن دعم بلاده لقيام دولة فلسطينية، وما تضمنه من نية فتح سفارة فرنسية فيها بشروط قد تكون شكليّة، في لحظة فارقة ومشحونة بالتوتر والدماء في غزة. ومع ذلك، فإن هذا الإعلان، عمليّاً، رغم أهميته الرمزية، لم يتجاوز حدود الشكل الدبلوماسي، ولم يتناول جوهر المسألة: جغرافية الدولة الفلسطينية وحدودها، إذ إن هذه الجغرافيا هي التي ستحدد تلقائيًا طبيعة الهوية السياسية لهذه الدولة.



الجغرافيا تثبيت المستقبل

علميّاً، الهوية الوطنية لا تُفرض من الخارج، بل تولد من الداخل الفلسطيني ومن النسيج الإجتماعي تحديداً وتُمارَس عبر مؤسساته الوطنية، وعلى رأسها، اليوم، السلطة الفلسطينية. فإذا أقيمت الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وهذا ما لم يذكره ماكرون، ربّما عن قصدٍ، بما يشمل القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، فإن هذه الجغرافيا تمنحها هوية قادرة على التّموضع مع واقع السلام، وعلى التمركز الإقليمي، وعلى الاندماج في السياق العربي والدولي.



أما إذا أُعلن عن دولة بلا أرض واضحة، أو دولة محدودة على أنقاض غزة وحدها، مع استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية وغياب أي مسار حقيقي للسّلام، فإن النتيجة ستكون هوية مشوّهة، أشبه بكانتون متطرف يكرّس الحرب ويغذّيها، ويجعل الدولة الفلسطينية مجرد أداة لإدارة النزاع لا لإنهائه.



الحدّان المتناقضان في الموقف الغربي

الموقف الغربي، كما عبّر عنه ماكرون، يتأرجح بين وجهين:

من جهة، دعم رمزي لقيام الدولة انسجامًا مع الخطاب الأممي والواقع الديمغرافي الفرنسي، بما يُستخدم من أداة للمكسب السياسي الداخلي، عن “حل الدولتين”.



ومن جهة أخرى، تفريغ هذا الدعم من محتواه عبر تجاهل الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحدود والسيادة وآلية بناء المؤسسات، وهذا ما يفيد إسرائيل عمليّاً.



هذا الإحتيال الدّبلوماسي يجعل الموقف الفرنسي والغربي سيفًا ذا حدين: فإذا لم يُدعَم المشروع بجغرافيا واضحة، وشخصيات فلسطينية قادرة على قيادة المرحلة، في طليعتها رموز السّلطة الفلسطينية، فإن النتيجة ستكون دولة هشة بلا مشروع جامع، تعيش على هامش السياسة الإقليمية والدولية.



الحسابات الداخلية لماكرون

لا يمكن فصل الإعلان الفرنسي المُتأخِّر عن الأزمة الداخلية التي تمرّ بها فرنسا. فالرئيس ماكرون، الذي يواجه صعود التيار اليساري واليميني، يسعى من خلال هذا الموقف لإرسال رسالة إيجابية إلى هذه الشرائح من الرأي العام الفرنسي، تحضيرًا لدعم محتمل لمرشحه المرتقب في انتخابات ٢٠٢٧، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاته الاستراتيجية مع إسرائيل وجمهورها الداعم. إنه توازن دقيق: إرضاء للتيار اليساري بلا التزام جوهري، وطمأنة لإسرائيل وحلفائها بلا مواجهة مباشرة.



يبقى الإعلان الفرنسي، رغم محدوديته، فرصة إذا ما استثمرتها القيادة الفلسطينية والدول العربية لتثبيت رؤية واضحة تقوم على:

ترسيخ حدود 1967 وفق الشرعية الدولية ومترافق مع دفع مسار سياسي جدّي يؤدي إلى سلام عادل.