جدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس، خلال اليوم الأخير من زيارته إلى دمشق التي بدأت الاثنين، دعمه للسلطات السورية، بينما وصف الرئيس السوري أحمد الشرع الزيارة، التي تخلّلها توقيع إعلان إطار تعاون شامل واتفاقات ثنائية في مجالات عدّة وإعلان بدء تبادل السفراء قريبًا، بأنها "تاريخية" وتؤسّس لـ "شراكة" بين البلدين، مشيدًا بـ "شجاعة" نظيره الفرنسي في مواصلة زيارته رغم تفجير عبوتين ناسفتين قرب فندق أمضى فيه ليلته. واعتبر ماكرون، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الشرع، أنه لا ينبغي لهذه الهجمات أن "تزعزع" استقرار سوريا، مشدّدًا على أنه "من الضروري أن تعقب الديكتاتورية دولة قانون حقيقية"، لأن ذلك "سيسمح ببناء سوريا جديدة وتحقيق الازدهار فيها". وأكد وقوفه إلى جانب السلطة السورية "للتعبير عن ثقتنا بالشعب السوري، وبعملكم من أجل إحلال السلام والأمن والازدهار".
وبعد محادثات رسمية، عقد الشرع وماكرون منتدى مخصّصًا "لإعادة إعمار سوريا والممرّات الاستراتيجية"، أعرب خلاله الرئيسان عن تطلّعهما إلى أن تصبح سوريا عقدة ربط إقليمية على طريق الممرات العالمية، بعدما أطلقت أزمة إغلاق مضيق هرمز المساعي لإيجاد مسارات تجارية بديلة. ووقّع الطرفان في ختام المنتدى 15 اتفاقًا في مجالات عدّة، بينها الطيران المدني والصحة والقطاع المصرفي والبنى التحتية للمياه والطرق. ورافق ماكرون عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات فرنسية عملاقة، بينهم رئيس مجلس إدارة شركة "سي أم أيه سي جي أم" رودولف سعادة، والرئيس التنفيذي لشركة "توتال إنرجيز" باتريك بويانيه، الذي كشف أنه يناقش في دمشق توقيع عقد للتنقيب البحري عن النفط، لكنه رأى أنه "من الواضح أن الوضع الأمني لا يزال يمنع عملنا هنا في الوقت الراهن".
توازيًا، أكد الشرع أن بلاده تعوّل على "دور فرنسي فاعل" لوقف التصعيد الإسرائيلي المستمرّ في جنوب سوريا منذ إطاحة الحكم السابق، في حين شدّد ماكرون على أن التوغلات والضربات الآتية من الدول المجاورة "غير مقبولة". وكشف أن فرنسا تعمل على إعادة صياغة تعاونها الأمني والعسكري مع سوريا، بما يشمل احتمال دعم البلاد بقوات خاصة لمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، مبديًا استعداد بلاده لدراسة شراكات محتملة تسمح بتجهيز القوات المسلّحة السورية وتنويع قدراتها. وصرّح بأن باريس ستعيد إلى دمشق أكثر من 50 مليون يورو كانت فرنسا قد صادرتها من رفعت الأسد، عمّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، موضحًا أن الأموال "ستُعاد إلى الشعب السوري لتمويل مشاريع تنموية ملموسة على الأراضي السورية". وحضر ماكرون والشرع مراسم تسلّم قطع أثرية سورية، كانت معارة إلى معهد العالم العربي في باريس منذ عام 2010.
واستهلّ ماكرون اليوم الثاني من زيارته بعقد اجتماع مع ممثلين للمجتمع المدني. وقال: "لا شيء يمكنه خنق تطلّعات السوريات والسوريين إلى العيش في سوريا كاملة السيادة وآمنة وتعدّدية وموحّدة. وقد التقيت هذا الصباح سوريا بكلّ تنوّعها، ورأيت فيها الكرامة والشجاعة والإصرار". وعقب الاجتماع، كشف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني لوكالة "فرانس برس" أن "الحديث تركّز بشكل أساسي على تعزيز حالة حقوق الإنسان في سوريا، وعلى الأخطاء والانتهاكات التي تحصل بعد إرث ثقيل من مؤسسات متهالكة بحاجة إلى إصلاح".
وفي ما يتعلّق بتفجير العبوتين الناسفتين قرب وزارة السياحة في دمشق، أوضحت وزارة الداخلية السورية أن العبوتين صُنعتا بطريقة بدائية وقد رصدتهما خلال عملياتها الميدانية، وباشرت الوحدات المختصّة اتخاذ الإجراءات اللّازمة لتفكيكهما، غير أنهما انفجرتا في أثناء التجهيز لعملية التفكيك. وذكرت أن العبوة الناسفة الأولى وُضعت داخل سيارة متوقفة على جانب طريق، فيما وُضعت الثانية داخل سلّة قمامة، مؤكدة أن الانفجارين وقعا خارج النطاق الأمني المخصّص لمكان إقامة ماكرون ولم يشكّلا أي تهديد مباشر لمكان الإقامة أو لبرنامج الزيارة الرسمية. وأسفر تفجير العبوتين عن إصابة حوالى 20 شخصًا، بينهم عناصر من وزارة الداخلية، بينما تستمرّ التحقيقات لتحديد الجهة المسؤولة عن التفجيرين. وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى كتابة هذه السطور، سبق أن أعلن "داعش" تبنيه لهجمات دموية.