تتوالى الأزمات على رأس اللبناني، فما إن يجد حلاً لأزمة حتى تأتيه أزمة أخرى أقسى وأصعب.
منذ سنوات، شكّلت زراعة الليمون والحمضيات أهمّ الزراعات التي يعتاش منها المواطن في المنية الشمالية، والعمود الفقري في حياة العائلات ومعيشتها. فمن ينسى رائحة زهر الليمون التي كانت تنبعث في أحياء المنطقة وأراضيها، وعبيره الطيب؟! ولكن، في بلد تتدحرج قطاعاته وتتهاوى مثل أحجار الدومينو، لم يبق من هذه القطاعات إلا إسمها وماضيها.
فمع التراجع الكبير الذي أصاب ويصيب القطاع الزراعي بكل مكوّناته، والخسائر التي يتكبّدها المزارع عند كلّ موسم، وفي ظلّ غياب تعويضات الدولة وهيئاتها الداعمة، فضّل الكثير من أصحاب بساتين الليمون في المنية تحويلها مشاريع سكنية أو زراعية (بلاستيك) للبيع أو للإيجار، فقطع عدد كبير منهم في السنوات الأخيرة، أشجار الليمون والحمضيات وعمدوا الى إنشاء مشاريع سكنية في هذه الأراضي أسوة بمدينة طرابلس، علّها تكون فاتحة خير تعوّض الخسائر المتلاحقة.
إنتعشت المنطقة بعض الشيء ووجد بعض المزارعين أمانهم في هذه المشاريع السكنية، لكنّ الأمر لم يدم إلا سنوات قليلة، فتوقّف العمل بمشاريع الإسكان وتوقّف معها بالتالي شراء الشقق السكنية والعقارات وبيعها، ما أدّى إلى جمود كبير في قطاع المباني.
ثمّة شقق ومبانٍ لم يستكمل أصحابها إنجازها، وأخرى أنجزت ولم يتمكّنوا من بيعها. وفي المحصّلة، الخسارة تلاحق الناس في كل اتّجاه.
ويؤكّد الناشط في المنية عبد الله علم الدين "أنّ القطاع الزراعي في المنية بشكل عام يشهد انهياراً على جميع المستويات كما حال كل القطاعات في البلد. فليست زراعة الليمون والحمضيات وحدها من يعاني، بل حتّى أصحاب البيوت البلاستيكية، ومنهم من اقتلع شجر الليمون بهدف الزراعة في هذه البيوت، هم ليسوا بأفضل حال.. فالخسائر موجودة عند كل كارثة طبيعية والتعويض في خبر كان.. ومع الإرتفاع الجنوني الحاصل في سعر صرف الدولار لا إمكانية لدى المزارعين لشراء البذار والأسمدة والشتول لأنّ أسعارها تضاعفت كثيراً".
ويضيف علم الدين: "للأسف، ليس لدى الحكومة اللبنانية أو الحكومات المتعاقبة خطّة جدّية ذات مصداقية لتطوير القطاعات الإنتاجية والتي يعتاش منها الناس في المناطق النائية، بما فيها القطاع الزراعي، وهذا ما يجعل المزارع وصاحب البستان هو الضحّية وكيفما حاول إنقاذ نفسه، تأتيه المصائب بفِعل هذه السياسات الجائرة". ويوضح "أنّ قطاع الحمضيات والليمون في المنية، الذي كان يشغّل اليد العاملة ويشكّل نسبة 70% من الأراضي في المنطقة لا يتعدّى اليوم 30%، والناس تتّجه نحو البيوت البلاستيكية لأنها تعطي أكثر من موسم في السنة، ليس كحال الحمضيات لموسم واحد في السنة، ومع ذلك الأمور تزداد تعقيداً لأنّ المزارع يجد نفسه متروكاً يواجه المشاكل والأزمات بمفرده، في غفلة من وزارة الزراعة عن هذه المنطقة وأهلها".
ويشير الأهالي إلى أنّه قبل الأزمة وتوقّف قروض الإسكان، كانت الشقة الواحدة تكلّف ما بين 30 و 40 ألف دولار وتباع بما يقارب الـ 60 ألف دولار. توقّفت قروض الإسكان وتوقّف العمل بالقطاع بشكل واسع. حتى إمكانية بناء شقق سكنية في ظل هذا الارتفاع الكبير في أسعار الحديد ومواد البناء صار ضرباً من المستحيل. وفي النهاية، مزيد من الخسائر على المزارع والمواطن، سواء في أرضه ومواسمه أو حتى في مشاريعه.
تجدر الإشارة إلى أن وزارة الزراعة تتمثّل في قضاء المنية - الضنية بمركز زراعي في سراي المنطقة، ولكن الأهالي يؤكدون "بأنه مركز غير نشِط وغير فعّال على مستوى دعم المزارع في المنية، ودعم الزراعة فيها".