شكّلت السّينما اليابانية وخاصةً الأنيمي، منذ عقود، مصدر إلهامٍ لا ينضب للسّينما العالمية، بما فيها هوليوود نفسها. فالتأثيرات البصريّة والموضوعيّة التي انطلقت من أعمالٍ أسطوريّة مثل "Akira" عام 1988، و "Ghost in the Shell" عام 1995 و "Paprika" عام 2006، أعادت تشكيل تصوّر العالم للخيال العلميّ والفانتازيا، وهو ما انعكس بوضوح على أفلام ضخمة مثل "The Matrix" أو "Inception". هذه الأعمال لم تُقدِّم مجرّد رسوم مُتحرّكة، بل لغة بصريّة وفكريّة جديدة، حيث تتقاطع الفلسفة مع التقنيّة وتتحوّل المعارك إلى مرآةٍ نفسيةٍ وصراعٍ وجوديّ.
تُواصل اليوم أعمال الأنيمي تحقيق حضورٍ عالميّ لا يُستهان به، لا فقط في شبّاك التذاكر الياباني، بل أيضًا في دُور العرض الغربيّة، وأبرز مثال حديث على ذلك، فيلم "Demon Slayer: Infinity Castle". هذا العمل تحديدًا صار أيقونةً ثقافيةً عابرة للحدود، مثبتًا أنّ الأنيمي قادرٌ على مُنافسة أضخم إنتاجات هوليوود من حيث الإقبال الجماهيري والتأثير النقدي. وبعد صدور الفيلم في الصّالات اللّبنانيّة، وجدت نفسي أمام تحفةٍ جديدةٍ تكرّس هذه المكانة وتؤكّد أنّ الأنيمي لم يعد ثقافة فرعيّة، بل بات جزءًا أساسيًا من المشهد السّينمائي العالميّ.
تحفة مرئيّة
منذ بداياتها، نجحت السّلسلة التلفزيونيّة "Demon Slayer: Kimetsu no Yaiba" في جذب المشاهدين بأسلوب بصريّ استثنائيّ، مع معارك مشحونة بالعاطفة وقصص شخصيات تحمل صدى إنسانيًّا عميقًا. ومع إصدار "Infinity Castle"، الجزء الأوّل من الثلاثيّة التي تختتم الفصل الأخير من هذه السّلسلة، لا تختلف التوقعات كثيرًا، بل تتجاوزها في كثير من الأحيان، رغم بعض التحدّيات السّردية.
أوّل ما يخطف الأنفاس هو الرّسوم، أو بالأحرى العمل البصري العام الذي قدّمه ستوديو "Ufotable". الفيلم لا يكتفي بأن يكون أخاذًا، بل يتجرّأ إلى ما هو أبعد، حيث إنَّ "قلعة اللّانهاية" (Infinity Castle) تتحرّك ككائنٍ حيّ يُشعرك أحيانًا بأنّه الخصم بحدّ ذاته، فتنزلق الممرّات وتتموّج الجدران وينهار البناء وتتحوّل المساحة، ما يزيد التوتّر ويُوسّع الشعور بالرّقابة والإثارة، وكأن هذا المكان هو الذي يسجن الأبطال بقدر ما يُحاربون فيه الأعداء.
المعارك أيضًا نُفِّذت ببراعةٍ عالية، بدءًا بالانتقال المصقول بين تقنيّات "2D" و "3D"، إلى حركة الكاميرات المُتقنة، والمؤثرات الصوتيّة والموسيقى التي تزيد ضخّ الزّخم العاطفي. وفي مَشاهد المعارك، نجد قمّة التحدّي الفنيّ، ليس فقط من حيث القتال البصريّ، بل في صراعات الشخصيات الداخليّة التي تُرافقها. ليس الأبطال وحدهم من يعانون، إنّما الخصوم أيضًا يُعرَضون بعمقٍ إنساني.
من أبرز التحدّيات التي واجهت الفيلم، كثرة استعادة أحداث من الماضي (Flashbacks) التي تُقاطع مناخ المعركة في أوقاتٍ حرجة. هذه الاسترجاعات رغم أنها توفّر عمقًا للشخصيات، إلّا أنها أيضًا تُسبّب تباطؤًا ملحوظًا في الإيقاع، وتُشتّت الانتباه أحيانًا. مُدّة الفيلم (حوالى ساعتَين ونصف) تُعدّ تحدّيًا لمن ليسوا من المتابعين المنتظمين للسّلسلة، لأنّها تُحوّل الفيلم أحيانًا إلى سلسلة من المشاهد المُتقطّعة بدلًا من سردٍ واحدٍ متماسكٍ ومكثّف. كما أنّ بعض القصص الجانبيّة أو الخلفيّات التي تُروى عن الشخصيّات الثانوية أو الشرّيرة، رغم أهميّتها، قد لا تُقدَّم دائمًا بما يكفي من التّركيز والتّنظيم، ما يجعلها تبدو كإطالةٍ لا تزيد كثيرًا الوقع الدرامي، إن لم تكن حتّى تُضعف الزّخم في فترة ما قبل المعركة الرئيسيّة.
ملحمة سينمائيّة عالميّة
الفيلم لا يُعدّ فقط ترجمة سينمائيّة لسلسلة المانغا (القصص المُصوّرة اليابانيّة)، بل هو أيضًا تجسيد تامّ لقدرة الأنيمي المُعاصر على المزج بين القتال الخارق والتأمُّل العاطفيّ. ويكتمل الإبداع في التصميم البصريّ الذي يجعل المُشاهد يعيش التّجربة في صالة العرض (خاصّةً في صالات الـ "IMAX") ليس كمُتفرِّج فحسب، بل كشريكٍ في الصّراع. علاوةً على ذلك، يُثبت النجاح التجاري للفيلم في البلد الأم (اليابان) وحول العالم، أنّ جمهور الأنيمي لم يعُد يُقبِل على مُجرَّد الحركة والموسيقى، بل يتطلّع إلى القصّة المُحكمة والانغماس الكامل. والفيلم يُلبّي هذا الطلب إلى حدّ كبير، ويُعدّ مدخلًا مشوِّقًا إلى ما سيأتي في الجزءين المقبلَين من الثلاثيّة.
"Demon Slayer: Infinity Castle" فيلم تنبغي مُشاهدته، ليس فقط من مُحبّي السّلسلة. إنه عرض بصري مؤثّر، مُعالَجة عاطفيّة متينة وتجربة سينمائيّة تُذيب الفاصل بين المُشاهد واللّوحة الفنيّة. لكن، لتقدير الصّورة كاملةً، ينبغي أن نُراعي أنَّ بعض الفواصل السرديّة تستنزف الزخم، وبعض الشخصيّات لم تُستغلّ بالشّكل الكامل. لكن رغم هذه المآخذ، فروح الفيلم القتاليّة والتزامه حتى النهاية بأسلوب درامي مؤثّر جدًّا، يجعلانه عملًا خالدًا في تاريخ الأنيمي الحديث. إنّها بداية النّهاية التي تتركنا متشوّقين لما سيُكشف لاحقًا. الفيلم ما زال يكتسح صالات السّينما العالميّة (مع أرباحٍ وصلت إلى 555 مليون دولار) وهو متاح للمُشاهدة في الصّالات اللّبنانيّة لمن هم فوق 16 سنة.