لا يختلف اثنان على أن الساحة المسيحية في بعلبك – الهرمل لم تكن يومً مركز ثقل لـ "التيار الوطني الحر". لكنّ ما قام به النائب جبران باسيل قبل أيام، من جولات شملت رأس بعلبك، جديدة الفاكهة والقاع برفقة رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، أوحى وكأنّ "التيار" يحاول استنهاض نفسه عشية الاستحقاق النيابي المقبل، في وقت تتراجع فيه شعبيته على المستوى الوطني والمناطقي معًا. حضور عون كان أشبه بمحاولة شدّ العصب العوني، بعدما فقد باسيل الكثير من عناصر القوة التي كان يستند إليها في السابق، وأبرزها وهج السلطة ورصيد التحالف مع "حزب الله".
الزيارة لم تكن يتيمة بل تأتي في سياق أوسع، إذ يسعى باسيل عبر جولاته في كل المناطق إلى إعادة تموضع انتخابي وتحضير تحالفات جديدة، لكن بعلبك – الهرمل ليست كسواها. فـ "التيار" هنا لم ينجح يومًا في تكوين قاعدة وازنة، بل كان فوزه بالمقعد الكاثوليكي عام 2022 نتاج تفاهم مع "حزب الله"، وبأصوات شيعية، فيما لم يتجاوز عدد الأصوات المسيحية التي نالها الألف، في حين أنّ الصوت المسيحي ذهب بغالبيته لـ "القوات اللبنانية". والأرقام التي حصدها "التيار" في الدورة الماضية لا تكاد توزَن على ميزان الحاصل الانتخابي المطلوب.
اليوم، يظهر "التيار" في وضع أكثر هشاشة. فغياب الحضور الفاعل لنائب "التيار" سامر التوم، وتراجع الحماسة الداخلية نتيجة كثرة الطامحين إلى الترشّح، جعلا من مهمة باسيل أشبه بالمستحيلة. يضاف إلى ذلك غياب الدعم المالي الذي كان وفّره رجل الأعمال حسان بشراوي في انتخابات 2022، بعدما اعتبر تجربته مع التوم فاشلة، مع كلام عن تحضير نجله لخوض المعركة النيابية المقبلة. وعليه من دون تمويل ودعم سياسي واسع، يبقى أي استنهاض أقرب إلى حملة معنوية لا أكثر.
الأزمة الكبرى تكمن في العلاقة مع "حزب الله". فـ "التيار" غير قادر على حسم خياره: هل سيبقى على تفاهم مع "الحزب" بصيغته القديمة، أم يدخل في صيغة جديدة تأخذ بالاعتبار تبدّل المزاج الشعبي المسيحي، وتراجع الثقة المتبادلة بين "الحزب" وباسيل؟ بالنسبة لـ "حزب الله"، المقعد الكاثوليكي في بعلبك – الهرمل ليس أولوية بحد ذاته، بل وسيلة لتعزيز كتلته الانتخابية وسدّ الثغرات أمام الاختراقات التي يحققها خصومه. من هنا، يبحث "الحزب" عن الأقوياء القادرين على رفد لائحته بأصوات وازنة، فيما "التيار" عاجز عن تقديم هذا الدور.
ما زاد الطين بلة، أنّ باسيل خلال كلمته في المنطقة حاول التبرؤ من مسؤولية التعطيل والفساد في الدولة، موجّهًا أصابع الاتهام إلى السلطة، وكأنه لم يكن شريكًا أساسيًا فيها منذ 2005 عبر وزراء الطاقة وغيرهم. أبناء المنطقة ذكّروه سريعًا بسد العاصي الذي لم يُنجز، وبالسدود الفاشلة التي استنزفت مئات ملايين الدولارات. كما لم يمرّ مرور الكرام ادّعاؤه أنّ قرار معركة الجرود عام 2017 كان رئاسيًا، فيما الحقيقة أنّه صدر عن مجلس الوزراء بإجماع سياسي واسع.
من هنا، يمكن القول إنّ جولات باسيل في بعلبك – الهرمل لم تؤدِّ الغرض. لا إعادة اصطفاف، ولا تحالفات متينة، ولا قدرة على مواجهة "القوات اللبنانية" التي تملك حضورًا شعبيًا أوضح وأوسع في البيئة المسيحية. بدا استنهاض "التيار" أقرب إلى الضرب بالميت، محاولة إنعاش جسد سياسي فقد حيويته في هذه الدائرة، ولم يعد يملك أوراق القوة سوى عبر "حزب الله"، الذي هو نفسه في مأزق ويبحث عن حلفاء أقوياء لا ضعفاء.
خلاصة المشهد أنّ "التيار الوطني الحر" خرج من زيارة بعلبك – الهرمل كما دخلها: بقاعدة محدودة، شعبية متراجعة، وتحديات أكبر من قدرته على المواجهة. أما الحديث عن استنهاض، فليس إلا عنوانًا إعلاميًا لا يغيّر في واقع أنّ العوني في هذه المنطقة لا يملك إلا هامشًا ضيقًا لا يكفي للفوز ولا حتى لإثبات حضور مؤثّر.