الدكتور سايد حرقص

مفاوضات تحت النار... ومنطقة على حافة الانفجار

5 دقائق للقراءة

​يقف لبنان اليوم أمام أسبوع قد يكون من أكثر الأسابيع حساسية منذ انتهاء المعركة الأخيرة. فمن جهة، تتصاعد المؤشرات إلى احتمال اندلاع مواجهة أميركية جديدة مع إيران، ومن جهة أخرى، وبالرغم من رفض "حزب الله" لأي شكل من أشكال المفاوضات المباشرة، يستعد لبنان الرسمي لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية بين الرابع والسادس من آب. يأتي ذلك في وقت تواصل فيه إسرائيل سياسة فرض الأمر الواقع بالنار قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، لإرسال رسائل لمن يعنيهم الأمر بأن البديل عن المفاوضات هو الدمار. وفي المقابل، يواصل حزب الله سياسة التخوين والتهديد، رافضاً أي اتفاق محتمل، ومطالباً بأن يكون لبنان ورقة بيد إيران خلال مفاوضاتها مع أميركا في باكستان.

​في خضم هذه الضبابية الشديدة في الشرق الأوسط، أفادت مصادر صحفية بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب جمع فريقه للأمن القومي في "كامب ديفيد"، وأبلغهم بتراجع ثقته بإمكانية التوصل إلى تفاهم مع طهران عبر المسار الدبلوماسي، ملوحاً بضربات "قوية جداً" إذا لم تستجب إيران للشروط الأميركية. وتقاطعت تقارير صحفية أميركية وإسرائيلية حول احتمال استهداف منشآت للطاقة والبنية التحتية الإيرانية خلال الأيام المقبلة، فيما تحدثت تقارير استخبارية عن استعدادات إيرانية للرد على أي هجوم، مع تحذيرات من استهداف منشآت حيوية داخل إسرائيل وبنى تحتية أميركية للطاقة في المنطقة، فضلاً عن التلويح بإغلاق ممرات بحرية استراتيجية.

​في هذا الجو المشحون، يجد لبنان نفسه في عين العاصفة؛ إذ تأتي المفاوضات المرتقبة مع إسرائيل في ظل تصعيد ميداني إسرائيلي متواصل جنوباً، ورفض مطلق من "حزب الله" لأي نتائج قد تتوصل إليها هذه اللقاءات.

​اللافت أن جولة "روما" المرتقبة ستشهد توسيعاً لوفود التفاوض؛ فالوفد الأميركي سيكون الأكبر عدداً، ويضم ممثلين عن وزارة الخارجية، ومكتب شؤون الشرق الأدنى، ومكتب الاستجابة الإنسانية، إضافة إلى مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع، في مؤشر واضح إلى الأهمية التي توليها واشنطن لهذه الجولة. وفي المقابل، عزز لبنان وفده بخبراء قانونيين واقتصاديين من الفريق الاستشاري لرئيس الجمهورية، في محاولة لتقوية الموقف اللبناني التفاوضي، خصوصاً في ملف توسيع "المناطق النموذجية" لتشمل أراضي تحتلها إسرائيل، بما يتيح انتشار الجيش اللبناني فيها بعد الانسحاب الإسرائيلي.

​لكن الطاولة السياسية تبدو بعيدة تماماً عن هدوء الميدان. ففي وقت تتجه فيه الأنظار إلى روما، يعيش الجنوب اللبناني على وقع انفجارات يومية، وترقب حذر لإمكانية انزلاق "حزب الله" في حرب جديدة لـ "إسناد" طهران، إذا صدقت التوقعات المتعلقة بالهجوم الأميركي المرتقب.

​في هذا السياق، نفذ الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير ضخمة في بلدتَي "زوطر الشرقية" و"أرنون"، هزت مناطق واسعة وأثارت حالة من الذعر بين السكان، فيما استهدفت غارة بطائرة مسيرة بلدة "النبطية الفوقا"، ما أدى إلى سقوط إصابات. كما تعرضت مراكب الصيادين قبالة شاطئ "المنصوري" لإطلاق نار بهدف منعها من الصيد، بالتوازي مع استمرار عمليات نسف المنازل وإحراقها في بلدات "برعشيت"، "حداثا"، "طلوسة"، و"دير سريان"، وقصف مدفعي طال تلة "علي الطاهر" ومحيط "أرنون".

​وفي مقابل هذا التصعيد الميداني، أكد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، خلال زيارته إلى مدينة صور بمناسبة عيد الجيش، أن "كل شبر من أرضنا هو حق لنا، ونرفض بقاء الاحتلال الإسرائيلي على أي جزء من ترابنا"، مشدداً على أن تضحيات العسكريين لن تذهب سدى، وأن الجيش سيواصل مواكبة عودة الأهالي إلى قراهم، انطلاقاً من إيمانه بوطن واحد يدافع عنه جيش واحد. إلا أن قائد الجيش لم يشر إلى طبيعة تصرف المؤسسة العسكرية في حال رفض "حزب الله" الاتفاق، وقرر فتح جبهة إسناد لإيران بالنار بناءً على توجهات المصالح الإيرانية.

​موازاةً مع هذه التطورات، سارعت السفارات الأميركية في عدد من عواصم الشرق الأوسط إلى تحذير رعاياها من احتمال وقوع تصعيد غير متوقع، داعيةً إياهم إلى الاستعداد للمغادرة، في خطوة تعكس جدية المخاوف من اتساع رقعة المواجهة الإقليمية.

​إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على اللبنانيين ليس ما إذا كانت المنطقة ستشهد تصعيداً أم لا، بل: هل سيشارك "حزب الله" في حرب إسناد جديدة لدعم إيران وجر لبنان إلى دمار جديد؟ وماذا سيكون موقف السلطة اللبنانية بجهتيها السياسية والعسكرية أمام قرار كهذا؟

​في الختام، يجد لبنان نفسه أمام معادلة قاسية ومفتوحة على كل الاحتمالات: فهو يخوض مفاوضات دقيقة ويحاول تثبيت حقوقه بطرق دبلوماسية، في وقت يسعى فيه الإسرائيلي إلى فرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية، بينما يصر "حزب الله" على تحويل البلد إلى ورقة تفاوضية بيد إيران وقاعدة متقدمة للحرس الثوري. وبين طاولة التفاوض والتهاب الميدان، يظل الخوف الأكبر لدى اللبنانيين هو حدوث أي زلزال إقليمي واسع، إذ ستجعل ارتداداته من لبنان الخاسر الأكبر في صراع تتجاوز أسبابه وحدوده ساحته الداخلية.