نبيل يوسف

الأسبوع الأخير من آب 1978 (الجزء السادس)

يوميات المطران أبو جوده في الشمال المسيحي

8 دقائق للقراءة
لا تتسع مجلدات لكتابة ما عاناه المطران أبو جودة في تلك الأيام

شهدت مناطق الشمال المسيحي ويلات وفواجع ستبقى تروى لعشرات الأعوام، حيث عانى الأهالي والمسؤولون المحليون أهوالًا لا يمكن وصفها، من بينهم المثلث الرحمة المطران رولان أبو جوده، إذ لا تتسع مجلدات لكتابة ما مرّ عليه في تلك الأيام.

كان وقتها المطران أبو جوده نائبًا بطريركيًا على منطقتي البترون ودير الأحمر من الأبرشية البطريركية، وكان في الأسبوع الأخير من آب، يقوم بزيارات رعائية في منطقة البترون وينام في دير مار يوحنا مارون – كفرحي وفي برنامجه الاحتفال بعيد مار سابا في كفرحي ليلة العيد الخميس 24 آب ونهار العيد في إده.

وصله صباح الخميس خبر مجزرة وادي نهر الجوز، فقطع كل نشاطه وبقي في دير كفرحي للمساهمة في معالجة الوضع.

غادر بعد الظهر إلى بكركي وأطلع البطريرك خريش والأساقفة على حقيقة الوضع المفجع، وعاد ليلًا إلى دير كفرحي للبقاء إلى جانب الأهالي المفجوعين وترؤس صلاة الجناز في اليوم التالي.

شهد دير كفرحي تلك الليلة سلسلة اجتماعات ضمت كهنة ومخاتير ومسؤولين حزبيين وزاره ضباط من الجيش اللبناني ناقلين تخوفاتهم.

يقول المطران أبو جوده: كان نهار الجمعة 25 آب 1978 من أصعب الأيام التي مرت علي. كنت أعرف أن كل الأنظار ستكون مشدودة نحوي وأنا أترأس صلاة الجناز أمام 7 نعوش لفتيان قتلوا غدرًا، وكل هدفهم جمع بعض النقود لصرفها ليلة عيد مار سابا: ماذا سأقول في كلمة التأبين؟

وصل المطران أبو جوده إلى باحة كنيسة مار سابا حيث سجيت النعوش، وما إن أطل على المشيعين حتى علا الصراخ والبكاء بشكل هستيري، خاصة من النساء المفجوعات، وبصعوبة استطاع الوصول إلى مدخل الكنيسة: الكل كانوا يحاولون الإمساك به وتوقيفه لينظر إلى النعوش: كان مشهدًا مفجعًا.

فيما الصراخ لا يتوقف وحالات الإغماء تتزايد، وصل خبر ما جرى في الوادي الفاصل بين شبطين ودريا، فتقدم منه النائب بطرس حرب وطلب منه البدء بالجناز سريعًا لأن الوضع آخذ بالتدهور.

على الفور وقبل نصف ساعة من موعد الجناز باشر مع من كان وصل من الكهنة بالمراسم وطلب منهم رفع أصواتهم، علها تغطي أصوات النحيب.

يقول المطران أبو جوده: فيما التراتيل تعلو مع أصوات النحيب كنت أفكر في ما سأقول، وكل ما حضرته ما عدت أذكره. كانت دقائق عصيبة وما عدت أذكر من العظة التي كانت مختصرة جدًا إلا مطلعها: "نفسي حزينة حتى الموت".

اختصر الجناز ونقلت النعوش إلى مدافنها، وعاد المطران والنائب حرب إلى دير كفرحي، فيما لم يتمكن الكثير من المشيعين من المشاركة في صلاة الجناز.

خلال تواجده في دير كفرحي، وصله خبر تقدم القافلة السورية من القويطع إلى بقسميا فغادر إلى بكركي فيما بدأ هدير الطوافات يسمع بوضوح.

قبل ظهر السبت 26 آب وصلت إلى بكركي أخبار ما يحصل في المناطق الشمالية المسيحية، خاصة في كور. فأجرى البطريرك خريش اتصالًا بالرئيس سركيس، ناشده خلاله العمل السريع لمعالجة ما يحصل في القرى المارونية الشمالية.

عصرًا وصل إلى قصر بعبدا المطرانان نصرالله صفير ورولان أبو جوده موفدين من البطريرك خريش، والتقيا الرئيس سركيس وطالباه بتجنيب مناطق: البترون وبشري ودير الأحمر الاضطرابات والمشاكل، مبديين تخوف البطريركية المارونية من خطة لتهجير أهالي تلك المناطق ودفعهم للتوجه إلى المنطقة الشرقية.

مساءً اتصل المطران رولان أبو جوده مجددًا بالقصر الجمهوري وناشد سركيس التدخل الفوري لوقف المأساة التي تحصل في القرى الشمالية المسيحية، مشيرًا إلى أن كل الأخبار الواردة من هناك، تؤكد أن معظم القرى والبلدات أصبحت منكوبة، والوضع يزداد خطورة، وقوافل المهجرين تغادر قراها في ظروف مأسوية. كما تحدّث مع المقدّم سامي الخطيب الذي وعده بالتحرّك السريع لوقف المأساة الحاصلة.

صباح الأحد ومن دون إعلام أحد، وصل المطران أبو جوده إلى دير الآباء الكبوشيين في البترون، فأعلمه الرهبان أن رئيس الدير الأب سليم رزق الله غادر إلى كفرحي لإحضار جثمان الشهيد جان مارون، وطلبوا منه الانتظار قليلًا ريثما يعود، لكنه أصرّ على التوجه إلى كور، فاتصل بمخفر درك البترون يسأل عن الوضع في قرى المنطقة، فأعلموه أن بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر وسيارة الجيب التابعة للمخفر وعددًا قليلًا جداً من السيارات استطاعت عبور الحاجز السوري أمام مبنى الريجي.

بعد إنهاء الاتصال، ركب سيارته وطلب من سائقه سليم أبي فاضل الانطلاق، رغم التحذيرات بالتمهل قليلًا.


تفتيش مهين بحق أبو جودة عند الحاجز السوري

عند الحاجز السوري أمام مبنى الريجي، أنزل مع سائقه من السيارة وأوقفا لأكثر من ساعة، فيما قام الجنود بتفتيشهما بطريقة مهينة، ولم يوفروا في تفتيشهم حقيبة المطران الخاصة وعصا الرعاية التي فككوها وبحثوا داخلها، لكن المطران أبو جوده الواقف تحت الشمس الحارقة صبر حتى سمحوا له بمتابعة الطريق.

في عبرين حاولت القوات السورية منعه من التقدم فأصرّ على متابعة رحلته، فعاودوا تفتيش السيارة.

بعد قرابة الساعة سمح له بإكمال طريقه، وعند حاجز وادي عين عيا أوقف للمرة الثالثة، وبعد قرابة الساعتين وقبل أن يسمح له بالصعود إلى كور وصلت بعثة الصليب الأحمر الدولي عائدة من كور وأبلغته استحالة الصعود إلى البلدة المنكوبة، فعادوا جميعًا إلى البترون عن طريق بقسميا - قرى القويطع الكورانية.

ليلًا وبعد عودته إلى بكركي، وصل النائبان جورج سعاده وبطرس حرب والتقيا البطريرك خريش بحضور المطارنة: رولان أبو جوده ونصر الله صفير ومخائيل ضومط.

خلال اللقاء عرض المطران أبو جوده حقيقة ما جرى معه في القرى البترونية التي عبرها، كما عرض نائبا المنطقة آخر المعلومات التي وصلتهما من القرى البترونية المنكوبة.

على أثر ما رواه المطران أبو جوده حول المضايقات التي تعرض لها من قبل الحواجز السورية، وما تتعرض له الهيئات الدينية والإنسانية خلال تفقدها قرى منطقة البترون، اتصل البطريرك خريش مجددًا بالرئيس الياس سركيس طالبًا منه العمل على تسهيل تفقد القرى المنكوبة.

لاحقًا أوفد الرئيس سركيس إلى الصرح البطريركي أحد ضباط الحرس الجمهوري، وتقرر أن تواكب دورية من الارتباط المطران رولان أبو جوده والهيئات الإنسانية خلال تفقدهم قرى البترون وبشري ودير الأحمر.

حوالى الساعة 7 من صباح الإثنين 28 آب، وصل المطران أبو جوده إلى جسر المدفون وكان ينتظره ضابط الارتباط الملازم أول في الجيش اللبناني يوسف سعد وتابعا إلى دير الآباء الكبوشيين في البترون حيث انتظرا بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر.


المطران أبو جودة في كور المنكوبة

نحو الساعة 8 انطلق المطران أبو جوده لتفقد كور، يرافقه الخوري فرنسيس البيسري والأبوان سليم رزق الله وميشال يوسف الكبوشيان و5 راهبات من أديرة البترون لراهبات الصليب والعائلة المقدسة والقلبين الأقدسين، ممن تشجعن على الصعود إلى كور، وبعثة الصليب الأحمر الدولي وسلكوا طريق حامات إلى قرى القويطع الكوراني وصولًا إلى بقسميا، ومنها تابعوا إلى جسر عين عيا، حيث انضم إليهم الراهب اللبناني الأب شربل زكريا الذي كان قرر البقاء في بلدته كفرحي إلى جانب الأهالي المفجوعين وصعدوا إلى كور.

وصل الوفد إلى كنيسة مار ميخائيل وبعد قرع الجرس حضر كهنة البلدة: الياس فارس وطانيوس يزبك ويوسف بو سمعان وبعض كبار السن الذين شرحوا للوفد هول ما تعرضت له بلدتهم، وأن كل شيء دنّس حتى المدافن وجثامين الشهداء لا تزال في أماكن استشهادها من نهار السبت، فيما العديد من الشباب إما اعتقلوا أو تاهوا في البراري والأحراش.

بعد مفاوضات شاقة مع الضابط السوري، سُمح للوفد بتفقد الكنيسة، فدخلوها، فيما انطلقت بعثة الصليب الأحمر الدولي مع الراهبات لمعاينة المنازل المنكوبة.

كان مشهد الكنيسة يدمي القلب: كل شيء فيها محطم، فلم يتمكنوا من فعل شيء، إلا أن الخوري فرنسيس البيسري حمل القربان المقدّس لنقله إلى كنيسة البترون.

من كنيسة مار ميخائيل حاول الوفد التوجه إلى كنيسة مار جرجس، لكن الجنود السوريين منعوهم لأن الموقع مركز عمليات عسكرية، فعادوا إلى منزل الخوري الياس فارس بهدف معالجة قضية الجثث المنتشرة في الحقول وداخل المنازل المدمرة ودفنها.

خلال اللقاء داخل المنزل، فوجئ الحاضرون بالقوات السورية تطوقه، فخرج الملازم أول سعد يستطلع ما يحصل، فأبلغه الجنود أن لديهم أوامر باصطحاب الجميع إلى الضابط المسؤول.

رفض الملازم سعد الطلب، وكادت الأمور تتطور، فخرج المطران أبو جوده محاولًا تهدئتهم مبديًا استعداده لمرافقتهم، لكن الملازم أول سعد أصرّ على رفض مغادرة المطران أبو جوده المنزل.

بعد قليل وصل الضابط السوري وكان متوترًا جدًا وكاد يصطدم مجددًا مع الملازم أول سعد، وسرعان ما وصلت بعثة الصليب الأحمر الدولي التي عانت أيضًا من مضايقات الجنود السوريين.

على الأثر غادر الجميع البلدة المنكوبة، فيما توجه بعض الذين بقوا في كور لدفن جثامين الشهداء في أماكن استشهادها.

من كور تابع المطران أبو جوده ومرافقوه إلى بجدرفل. وفي ساحة الكنيسة التقوا المختار يوسف أبي راشد والخوري سمير الحايك وبعض العجزة، الذين شرحوا له هول ما حصل نهار السبت ووضع البلدة المأسوي التي هي شبه خالية من الأهالي خاصة الشباب منهم، وعندما حاول المطران أبو جوده دخول الكنيسة التي حولتها القوات السورية إلى مركز عسكري، تم منعه.

من بجدرفل، أكمل الوفد إلى عبرين والتقى الخوري طانيوس خشان وبعض الأهالي، الذين شرحوا له الحال المأسوية التي تعيشها البلدة، والظروف التي ترافق عمليات الدهم التي تقوم بها القوات السورية للمنازل، فأصرّ عليهم المطران أبو جوده على البقاء وعدم مغادرة البلدة مطلقًا، ثم غادر إلى اجدبرا الخالية تقريبًا من الناس ومنها إلى البترون.


(*) جمع المعلومات عن بشري – دير الأحمر بالتعاون مع الكاتب كلوفيس الشويفاتي وصور شهداء الأرز من محفوظاته.