في خطوة وُصفت بالتاريخية، أعلنت السعودية وباكستان عن توقيع اتفاق دفاعي مشترك يقوم على مبدأ "الاعتداء على أحدهما يُعدّ اعتداءً على الآخر". هذا الإعلان لم يأتِ من فراغ، بل جاء في سياق إقليميّ شديد التعقيد يتسم بتصاعد التهديدات الإسرائيلية وتراجع متدرّج لنفوذ إيران في المنطقة. الاتفاق يضع أسس معادلة جديدة تعيد ترتيب موازين القوى، ويؤسّس لشراكة أمنية واقتصادية أعمق بين الرياض وإسلام آباد.
من الناحية العسكرية، يعتبر الاتفاق بمثابة "مظلّة نووية" للمملكة، إذ إن باكستان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا. ولطالما كان يُنظر إلى مشروعها النووي على أنه ثمرة دعم مالي سعودي سخيّ خلال العقود الماضية. اليوم، ومع هذا الاتفاق، تبدو المعادلة وكأنها عودة للاستثمار: فالسعودية التي ساهمت في تمويل البرنامج النووي الباكستاني، تحصل الآن على ضمانة أمنية نووية في مواجهة التهديد الإسرائيلي الذي يملك قدرات نووية معروفة.
البعد الإيراني حاضر بقوّة في خلفية هذا التفاهم. فالعلاقات بين باكستان وإيران لطالما اتسمت بالبرود والتوتر، سواء على الحدود أو في ملفات النفوذ الإقليميّ. وبانضمام باكستان بشكل رسمي إلى مظلّة الأمن السعودي، تجد طهران نفسها محاصرة من جهات متعدّدة: من الخليج غربًا، ومن الحدود الباكستانية شرقًا، وهو ما يعمّق الضغط الاستراتيجي عليها ويقيّد قدرتها على المناورة في المنطقة. الهدف الواضح هو دفع إيران إلى الانكفاء والحدّ من دورها في الملفات الإقليمية، خصوصًا مع تراجع أوراقها في العراق وسوريا ولبنان.
وفي تعليق لدبلوماسي إيراني متقاعد لعب أدوارًا من باكستان إلى الخليج، وكان من أوائل جنود الحرس الثوري الذين ساهموا في إنشاء وتدريب "حزب اللّه" في ثمانينات القرن الماضي، اعتبر أن هذا الاتفاق هدفه تطويق إيران وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء إلى أيام حرب العراق–إيران، التي كان هدفها تطويق نفوذ طهران ومنع تمدّده إلى الخليج، لكن هذه المرة بأسلوب ناعم. وأضاف أن هذا التطوّر يبرز حجم الازدواجية الغربية في التعامل مع إيران، إذ سُمح للسعودية بأن تكون شريكًا في النووي الباكستاني، بينما تُمنع إيران حتى من حقها في النووي السلمي، وتُفرض عليها العقوبات ويُضطهد الشيعة في مختلف مناطق امتدادها الحيويّ.
أمّا على صعيد المنطقة الأوسع، فإن الاتفاق يعكس تحوّلًا في مفهوم الأمن الخليجي. فبدلًا من الاعتماد شبه المطلق على المظلّة الأميركية، تبني السعودية شراكة استراتيجية مع قوّة نووية إسلامية. هذا يمنح الرياض موقعًا تفاوضيًا أقوى أمام واشنطن، ويعطيها ورقة ضغط إضافية في مواجهة إسرائيل، خصوصًا أن أي مواجهة مستقبلية لن تُحسب فقط على أساس القدرات الإسرائيلية–الخليجية، بل ستُدخل باكستان كلاعب مباشر في المعادلة.
إضافة إلى الجانب العسكري، يفتح الاتفاق الباب أمام تعاون اقتصاديّ واسع. الاستثمارات السعودية في مجالات الطاقة والتعدين داخل باكستان، مثل مشروع "ريكو ديق" للذهب والنحاس، تعطي التحالف بُعدًا اقتصاديًا يضمن استمراريّته. فالأمن والاقتصاد هنا يسيران جنبًا إلى جنب، ما يجعل العلاقة أكثر رسوخًا وأبعد من مجرّد تنسيق عسكري ظرفي.
في المحصّلة، يمكن القول إن الاتفاق السعودي–الباكستاني يشكّل نقطة تحوّل في هندسة النظام الإقليميّ. فهو يعيد تعريف موازين القوى في مواجهة إسرائيل، يضيّق الخناق على إيران، ويعطي السعودية ثقلًا إضافيًا كقوّة إقليمية قادرة على بناء تحالفات استراتيجية مستقلّة. إنها معادلة جديدة قد تُعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.