أثار تصريح السيناتور الأميركي ليندسي غراهام من بيروت، حول إمكانية إبرام معاهدة دفاع مشترك بين الولايات المتحدة ولبنان، جدلًا واسعًا. ففي بلد يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متفاقمة، يُعد أي حديث عن إعادة تموضع استراتيجي مع واشنطن قضية حساسة. السؤال الأهم هنا: هل هذا التصريح مجرد جس نبض سياسي ودبلوماسي؟ أم أنه جزء من خطة استراتيجية أكبر تُناقش في أروقة الكونغرس الأمريكي لإعادة رسم موقع لبنان في معادلات المنطقة؟
لفهم تصريح غراهام، لا بد من العودة إلى التاريخ. في عام 1958، وخلال أزمة داخلية حادة وصراع إقليمي ودولي بين المدّ القومي العربي بزعامة جمال عبد الناصر المدعوم من الاتحاد السوفياتي وبين الولايات المتحدة، لجأ الرئيس اللبناني آنذاك كميل شمعون إلى واشنطن وفعّل اتفاق التعاون الدفاعي. أدى ذلك إلى إنزال قوات المارينز على شواطئ بيروت لحماية النظام.
بالنسبة للمؤيدين، كان هذا التدخل حماية للاستقلال اللبناني ومنعًا لانزلاقه في الفوضى والخضوع لهيمنة مشروع عبد الناصر. أما المعارضون، فرأوا فيه انتهاكًا للسيادة الوطنية وتكريسًا لوضع لبنان كقاعدة نفوذ غربية تمنع لبنان من الاندماج في مشروع الوحدة العربية.
هذه السابقة التاريخية تعطي تصريح غراهام اليوم بُعدًا إضافيًا، وكأن التاريخ يعيد نفسه في سياق مختلف، ولكن بسيناريوهات محتملة متشابهة.
إذا كان تدخل عام 1958 جاء في سياق صراع دولي وإقليمي واضح، فإن طرح معاهدة دفاع جديدة يأتي اليوم في سياق أكثر تعقيدًا وتشابكًا:
- انهيار اقتصادي واجتماعي: يعيش لبنان أسوأ أزمة مالية في تاريخه الحديث.
- ضعف الدولة مقابل قوة ميليشيا الله: الجيش اللبناني، على الرغم من مكانته الوطنية، يفتقر حتى الساعة إلى الإمكانيات الكافية، بينما مازال حزب الله يمتلك ترسانة عسكرية ضخمة بالرغم من الخسائر الفادحة التي مني بها جرء حرب الإسناد.
- التوتر في الجنوب: الدمار الكبير في قرى الجنوب والاغتيالا والغارات الإسرائيلية المتنقلة بالاضافة الى رفض حزب الله ومن ورائه ايران التعاون مع الدولة اللبنانية فيما خص نزع السلاح، تضع لبنان على خط الزلازل العسكرية والسياسية.
- التحولات الإقليمية: الانفتاح الخليجي- المصري على إسرائيل، وتراجع الدور السوري، وتصدع النفوذ الإيراني، كلها عوامل تعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
بناءً على هذا الواقع، يمكن قراءة تصريح غراهام على مستويين رئيسيين:
1. جس نبض سياسي ودبلوماسي
قد يكون الهدف من التصريح هو اختبار الأجواء قبل اتخاذ أي خطوة عملية، وذلك من خلال:
- قياس ردود الفعل الداخلية: هل ستحظى الفكرة بدعم كامل وقوي من القوى السيادية؟، هل ستواجه بالرفض القاطع من قوى الممانعة؟
- رصد الموقف الإقليمي: كيف سترد إيران؟ وهل ستقبل إسرائيل بوجود إطار دفاعي أمريكي-لبناني مشترك على حدودها؟
- التقدير الدولي: هل يمكن أن تدعم أوروبا وخاصة فرنسا التي تعتبر "لبنان الفرونكوفوني" جزء من نفوذها في المنطقة مثل هذا الطرح؟ هل ستقبل الدول العربية والخليجية بهذا الاقتراح؟
2. خطة استراتيجية في الكونغرس
من ناحية أخرى، لا يمكن استبعاد أن التصريح هو جزء من مسار سياسي بعيد المدى يجري إعداده، خصوصًا أن واشنطن:
- تدعم الجيش اللبناني بشكل ثابت منذ سنوات، وتعتبره حجر الزاوية لاستقرار البلد.
- تسعى لإنهاء نفوذ حزب الله عبر القرارات الدولية وتعزيز مؤسسات الدولة.
- تحاول منع اي تهديد محتمل لإسرائيل قد ينطلق من الأراضي اللبنانية.
- تعمل على إعادة لبنان الى محور التحالفات الغربية بعد أن انجرف لعقود في المحور الإيراني-السوري.
إن الطريق إلى أي معاهدة دفاعية جديدة لن يكون سهلًا، وسيواجه تحديات كبيرة:
- الانقسام الداخلي: من الصعب التوصل إلى إجماع وطني حول قضية حساسة كهذه.
- رفض حزب الله وإيران: هذا الرفض حتمي،الا اذا باعت ايران الورقة اللبنانية الى أميركا في المفاوضات القادمة.
- تردد الموقف الإسرائيلي: قد تفضل إسرائيل بقاء الجيش اللبناني ضعيفًا بدل تحوله إلى قوة عسكرية محمية باتفاق أمريكي.
- المعارضة الفرنسية: منذ استقلال لبنان، مرت الساحة اللبنانية بتغيرات كبيرة. بدأت بتنافس قوي بين النفوذين الأمريكي والفرنسي (1943–2004)، ثم تبعها فترة من التعاون (2005–2011)، قبل أن تعود إلى التباين مجددًا (2011–اليوم). تسعى فرنسا إلى الحفاظ على دورها التاريخي والثقافي في لبنان، وتنظر إليه كجزء من امتدادها الفرانكفوني، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى لبنان كجزء من استراتيجيتها الأوسع في الشرق الأوسط.
تصريح السيناتور ليندسي غراهام ليس مجرد كلام عابر. إنه يطرح تساؤلًا استراتيجيًا في لحظة تاريخية فارقة. قد يكون مجرد بالون اختبار لقياس ردود الأفعال، وقد يكون مقدمة لمسار استراتيجي يتبلور في واشنطن لإعادة رسم علاقة لبنان بالغرب. هذا المسار قد يكون جزء من الصفقة المستقبلية بين أميركا وأيران ضمن إطار المفاوضات القادمة.
الثابت أن لبنان، المنقسم على ذاته والمثقل بأزماته، يقف أمام مفترق طرق تاريخي. فهل يملك القدرة على اتخاذ قرار مصيري كهذا ؟، أم أن انقساماته ستُحبط أي محاولة لتوحيد الرؤية حول مستقبله في المنطقة مما سيؤدي الى وصاية جديدة؟