جوشوا يافا

الكرملين يستعد لعهد بايدن

24 تشرين الثاني 2020

المصدر: The New Yorker

02 : 01

منذ أربع سنوات، تلقى عشرات النواب في البرلمان الروسي خبر فوز دونالد ترامب المفاجئ على هيلاري كلينتون بجولة من التصفيق. حتى أن البعض فتح زجاجة شمبانيا احتفالاً بالمناسبة. وأعلنت رئيسة شبكة "آر تي" التلفزيونية الحكومية أنها سعيدة لدرجة أن ترغب في التجول في أنحاء موسكو فيما يرفرف العلم الأميركي من نافذة سيارتها. بدت هذه النتيجة مُرضِية للطبقة السياسية الروسية لأنها كانت تأمل في أن يكون الرئيس الأميركي الجديد تصالحياً أو حتى مفيداً للمصالح الروسية.

هذه الدورة الانتخابية كانت مختلفة بالكامل: بعد مرور عشرة أيام على الانتخابات الأميركية الرئاسية وستة أيام على إعلان فوز جو بايدن، لم تنشر الدولة الروسية أي ردّ بعد ولم يوجّه فلاديمير بوتين أي تهنئة رسمية لبايدن. تعليقاً على الموضوع، يقول المتحدث باسم بوتين: "من الأنسب برأينا أن ننتظر صدور إعلان رسمي" (في إشارةٍ إلى الطعون القانونية التي قدّمها ترامب أمام المحاكم الأميركية). كذلك، لم يظهر عدد كبير من السياسيين على التلفزيون الحكومي للتباهي بأحدث التطورات واعتبارها في مصلحة روسيا. من ناحية معينة، تعكس هذه الأجواء الخافتة في موسكو خيبات متلاحقة وتعباً شديداً من ترامب وإخفاقاته في ملفات كثيرة. تترسخ هذه المشاعر أيضاً غداة انتشار قناعة شائعة مفادها أن الروس، مهما كانت علاقتهم سيئة مع الولايات المتحدة الآن، إلا أنهم لن يحققوا نتائج أفضل مع وصول بايدن إلى الرئاسة الأميركية.

كان وصول ترامب إلى الرئاسة تحولاً إيجابياً في الأحداث بنظر روسيا، فشعر بوتين والمحيطون به بأنهم ربحوا الجائزة الكبرى. تقول تاتيانا ستانوفايا، رئيسة شركة التحليل "آر بوليتيك" الروسية: "لم تتضح حينها النتيجة النهائية لما حصل، لكن شعر الكثيرون بأن كل شيء أصبح ممكناً ويجب أن نحاول الاستفادة من هذه الفرصة".

كما كان متوقعاً، تصرف ترامب كقوة مدمّرة، فأساء إلى نفوذ الولايات المتحدة ومصداقيتها (إنها نتيجة إيجابية للكرملين طبعاً)، لكنه أثبت في الوقت نفسه عجزه التام عن تحقيق أهداف مثمرة. لم تُعقَد أي صفقات كبرى كتلك التي تخيّلها عدد من صانعي السياسة الروس لفترة وجيزة، حيث تتحسن العلاقات الثنائية وتخرج روسيا من خانة الخصوم وتُرفَع العقوبات الأميركية المرتبطة بأوكرانيا. بل إن المسائل العالقة بشأن التدخل الروسي في العام 2016 ومواقف ترامب التي توحي بأنه يرفض التعامل مع تلك الملفات كانت تعني أن الرئيس أصبح محاصراً سياسياً ومضطراً للموافقة على العقوبات المتزايدة التي مررها الكونغرس ضد روسيا.

على مر السنين، أدت مواقف ترامب المتقلبة وغير المتوقعة وقُصْر نظره في مسائل كثيرة إلى جعل أي مقاربة استراتيجية تجاه العلاقات الأميركية الروسية مستحيلة. وحين قرر الرئيس الأميركي التحرك فعلاً، دفعته مقاربته التجارية للأوضاع الجيوسياسية إلى تفضيل السياسات التي تتعارض مع المصالح الروسية، كما حصل مثلاً مع خط أنابيب الغاز "نورد ستريم 2" الذي كان يهدف في الأساس إلى جلب 55 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنوياً إلى ألمانيا ومنها إلى أنحاء أوروبا. على غرار الرؤساء الأميركيين السابقين، دفع ترامب ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى إلغاء مشروع الطاقة وافترض أن أوروبا ستضطر في هذه الحالة لاستيراد الغاز الطبيعي الأميركي المُسال. توضح ستانوفايا: "لا يظن ولو شخص واحد من النخبة الروسية اليوم أننا قد نحقق أي نتائج مهمة إذا بقي ترامب في سدة الرئاسة".

لهذه الأسباب، تلاشى الحماس تجاه فوز ترامب هذه المرة. وكان الكرملين يراقب أيضاً الاستطلاعات التي يتابعها الجميع وقد اتضح أن ترامب ليس المرشّح الأوفر حظاً في هذا السباق. لذا بدأ المسؤولون والمستشارون السياسيون يحضّرون أنفسهم لفوز جو بايدن. في الوقت نفسه، ساد جو من الحذر وتراجعت الرغبة في أخذ المجازفات واستفزاز الآخرين بسبب تداعيات فيروس كورونا، وانهيار أسعار النفط العالمية، وتدهور الاقتصاد الروسي، وتراجع التأييد الشعبي للمغامرات العشوائية في مجال السياسة الخارجية (خسر الإجماع حول شبه جزيرة القرم مثلاً زخمه بعدما كان السبب في زيادة شعبية بوتين في العام 2014). أو ربما كان تحوّل روسيا إلى جزء محوري ومزعج من السياسة الأميركية المحلية بعد الانتخابات الأخيرة عاملاً مؤثراً آخر. يقول أندريه كورتونوف، مدير "المجلس الروسي للشؤون الدولية": "لا نستطيع إلا إطلاق التخمينات عما حصل، لكن نفترض أن أعلى السلطات أصدرت توصيات بعدم خلق أي أعذار إضافية لتبرير اتهام روسيا بالتدخل في انتخابات الآخرين".

في هذه الظروف، لم يعد عهد بايدن يبدو أسوأ الخيارات للكرملين على الأرجح، أو لم يترافق احتمال فوزه على الأقل مع الخوف المفرط الذي انتاب الكثيرين في موسكو حين كان انتصار هيلاري كلينتون ممكناً في العام 2016. يعني فوز بايدن العودة إلى وضع سابق واعتيادي: قد تبقى العلاقات الثنائية سيئة وغير مثمرة إذاً، لكنها ستحمل طابعاً مألوفاً ومُطمئِناً. يفضّل جزء كبير من خبراء السياسة الخارجية الروس أن تكون العلاقات الثنائية منظّمة وروتينية رغم تدهورها، حتى أن المتشددين في الأجهزة الأمنية لا يعتبرون العلاقة الصدامية مع الولايات المتحدة ظاهرة سيئة بالكامل كونها تعطيهم مبرراً لتوسيع استقلاليتهم ونفوذهم مقابل بوتين. في مطلق الأحوال، تبيّن أن الرهان على ترامب والسياسات المبنية على شخصية الرئيس خيار محدود. تقول ستانوفايا: "كانت العلاقات مع ترامب شخصية ومبنية على الكيمياء والعواطف. في المقابل، لن يقيم البلد علاقات مع بايدن شخصياً بل مع نظام بأكمله".

حرص بايدن على مر مسيرته السياسية كعضو في مجلس الشيوخ وكنائب للرئيس على طرح نفسه كحامل لواء اليسارية الوسطية في مجال السياسة الخارجية: إنه المعسكر الذي يعتبر الولايات المتحدة دولة حيوية ومؤثرة وان صوتها مسموع، ما يعني أنها قوة عظمى ولديها مسؤوليات كبرى بما يتماشى مع مكانتها الرفيعة. في العام 2018، شارك بايدن في كتابة مقالة في مجلة "فورين أفيرز"، فعرض فيها تفاصيل السياسة الروسية ودعا الولايات المتحدة إلى عدم الرضوخ لنطاق نفوذ روسيا في المناطق السوفياتية السابقة والاستعداد لفرض عقوبات صارمة إضافية. ذكرت تلك المقالة أيضاً أن الدول الغربية "يجب أن توافق على فرض تكاليف كبرى على روسيا حين تكتشف أي أدلة على أفعالها السيئة". وخلال الحملة الانتخابية، تكلم بايدن عن استرجاع الدور الأميركي القيادي في حلف الناتو وإعادة التأكيد على القيم الديموقراطية في السياسة الخارجية الأميركية. سبق وعمل عدد كبير من مستشاريه في الحكومة خلال عهد أوباما وكانت تجربتهم مع روسيا مريرة بسبب سلوك بوتين في تلك الفترة، بدءاً من ضم شبه جزيرة القرم وصولاً إلى التدخل في انتخابات العام 2016. تعليقاً على نفور معسكر بايدن من روسيا، صرّح ديبلوماسي غربي مرموق في واشنطن لصحيفة "فاينانشل تايمز": "هذا الموقف غير منطقي بكل بساطة، كما أنه يحمل طابعاً عاطفياً مفرطاً".

لم يغفل المسؤولون في موسكو عن هذه التطورات كلها. يقول عضو مجلس الشيوخ الروسي أندريه كليموف: "لا يمكنني أن أقول إن الجهات التي فازت هي صديقة لنا. لكنها كيانات معروفة. نحن نفهم حقيقتها وندرك ما ستفعله". من المتوقع أن تُفرَض عقوبات إضافية ضد روسيا خلال عهد بايدن. في غضون ذلك، ستتخذ الولايات المتحدة حتماً موقفاً أكثر حيوية في أوكرانيا وسوريا: إنهما جزء من نقاط الاشتعال التي انسحب منها الأميركيون في عهد ترامب وتعتبرها روسيا من مناطق نفوذها الأساسية. على صعيد آخر، قد تحصل مواجهة معينة بسبب بيلاروسيا حيث تستمر الاحتجاجات غداة إعادة انتخاب الدكتاتور ألكسندر لوكاشينكو في أجواء مثيرة للجدل في آب الماضي، حتى أن تلك المواجهة أصبحت حتمية. دعمت روسيا لوكاشينكو لكنها لم تشأ بذلك أن تبقيه في السلطة بل أرادت أن يكون رحيله بشروطها في حال تنحّيه فعلاً. تجاهل ترامب هذه المسألة. أما بايدن، فأعلن أنه سيدعم خصم لوكاشينكو. قد تتعلق المسألة الوحيدة التي تدعو للتفاؤل في موسكو بالحد من التسلح: من المنتظر أن تنتهي صلاحية معاهدة "ستارت الجديدة" التي تحصر الترسانة النووية الخاصة بكل بلد في شهر شباط المقبل، وقد قال بايدن إنه سيعطي الأولوية لتمديد تلك المهلة، ما قد يُمهد لإطلاق حوار مثمر (ولو محدود) مع روسيا في أول أيام عهده.

ينتظر بوتين الآن الرئيس الأميركي الخامس في عهده القائم منذ أكثر من عشرين سنة ويبدو أن شكوكه ومشاعره التشاؤمية توسّعت اليوم لأنه بات متأكداً من عدم حصول أي تطورات إيجابية بغض النظر عن هوية الرئيس الأميركي الجديد. يقول فيودور لوكيانوف، رئيس تحرير صحيفة "روسيا في الشؤون العالمية" وشخصية معروفة في أوساط السياسة الخارجية في موسكو: "بات بوتين مقتنعاً اليوم باستحالة التوصل إلى اتفاق جدّي مع الولايات المتحدة حول أي مسألة. قوبلت جميع اقتراحاته بشأن الأمن الإلكتروني أو الدفاع الصاروخي بازدراء واضح من الجانب الأميركي".

لا يتكلم بوتين أو أي مسؤول آخر في موسكو كثيراً حول ما فعلته روسيا لإيصال علاقاتها مع الولايات المتحدة إلى هذا المستوى من التدهور. بل يتقبّل الكرملين اليوم الفكرة القائلة إن مساعي أي إدارة أميركية لمواجهة روسيا وإفشال مصالحها هي الحالة الطبيعية للعلاقات بين البلدين. يبدو بايدن رئيساً منطقياً في هذا الإطار. برأي لوكيانوف، سيكون تصعيد الوضع شبه حتمي لكن سيبقى المزاج الرسمي هادئاً رغم التوتر الكامن. باختصار، يفكر الجميع في روسيا بهذه الطريقة: "هل تريد الولايات المتحدة أن تُضعفنا؟ لا بأس بذلك، نحن معتادون على هذا الوضع".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.