فيما تُحرَق غابات وادي النصارى، ودير شميل، وعين الشرقية، تحملني ألسنة اللهب إلى صيف العام 1958، ذلك الصيف الذي احترق فيه متجر جدي ومشغله، وبدأ معه الحريق الطرابلسي بتؤدة. لم يفهم الغاضبون في تلك الحقبة أن حلف بغداد لم يكن بمواجهة العروبة بقدر ما كان مواجهة بين قوى معكسرين وأن أفضل تعبير للعرب في تلك الحقبة كان حركة عدم الانحياز، وإن كانت فكرة عدم الانحياز قد أعادت صياغة نفسها في منظومة البريكس لاحقا غير أن التوازنات الدولية لم تعد تسمح بهكذا مشاريع، فكما لم تنتج المبادرة الكازاخية CICA أية آثار دولية وازنة، وكما أفضى طرح مشروع البحار الخمسة إلى دمار سوريا فإن البريكس لن تتمكن من تصويب اتجاه الاقتصاد العالمي خاصة بعد سقوط مشروع الحزام والطريق بالضربة القاضية لصالح مشروع ممر داوود في تشرين الثاني 2024.
كان سقوط دمشق إعلانا صريحا عن نهاية الحرب العالمية الصامتة وبدء إعادة ترتيب أقاليم العالم الاقتصادية في أعقاب ازمة العام 2008، الشبيهة بأزمة 1929، والتي أفضت إلى تغيير خريطة العالم الاقتصادية وتغيرا في مسارات القوى العالمية وسيكون لمصادر الطاقة دورا مؤسسًا في إعادة رسم خريطة العالم.
في هذا السياق سيتم ترتيب منطقتنا، في معادلة تخرج الإيديولوجيا بكافة أشكالها من المشهد وتفرض نمطية براغماتية ونوعًا من الاستقرار حتى آخر قطرة غاز. هنا يسعى جماعة الاسلام السياسي إلى دخول المناقصة،عبر التخلص من التنوع الديموغرافي الأنتروبولوجي في المنطقة لصالح ثقافة اللون الواحد، ما تؤكده تصريحات الموفد الدولي الذي هدد بإتباع لبنان إلى بلاد الشام، وتحدث عن السيطرة بديلا عن التعايش.
هذا التوجه ليس مستحدثًا، بل شواهده كثيرة ومنها احتكار حزب الله للمقاومة، ممارسًا عملية استلاب للفكرة وأعلان نفسه وكيلا حصريا لها. في ذلك أصبح كل من تبنى فكر حرية وسيادة هذا الوطن والتصدي للاحتلال الاسرائيلي ومقاومته، شاء أم أبى محسوبًا على حزب الله، ومارس المكتب السياسي في حزب الله دور ناظم هذه القوى وعلا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم ينكل بمثقفيها ويضعف أحرارها. فكان أمام الذين استضعفوا في الأرض إما الصدام كما فعل اليسار الديمقراطي وإما الحوار لتحرير قرارهم. فشل المنهجان وفرض المكتب السياسي في الحزب حصرية السلاح والمقاومة بيده. أما العلوي فكان أمام تحد آخر وأشد صعوبة فهو لا يواجه فقط عملية استلاب قراره السياسي وفرض لون سياسي واحد عليه، بل عملية طمس حقيقته، فكان المكتب السياسي في حزب الله وما يزال، يتبنى ميليشيا الغوغاء ويسندها أمنيا وماليًا. بالرغم من هذه التحديات وبفضل القانون الانتخابي النسبي وقوى المجتمع المدني تمكنت نخب المجتمع العلوي من تسجيل خرق في جدار هيمنة حزب الله على الطائفة الاسلامية العلوية في لبنان، هذا الخرق ترجم بصدام مع نافذ في المكتب السياسي في حزب الله، نافذ سُمي يومًا بـ"الحج بسمتي" لتدخله السافر في الشأن العلوي.
بمواجهة التحديات يجب على أبناء هذه الارض الأصليين أن يتمسكوا بحقهم بالحياة، فالعلويون مثلهم مثل المكونات الأخرى من سنة أشاعرة وصوفية ومتريدية وغيرهم، ومسيحيين ودروز واسماعييلين ومرشديين وشيعة متحررين، كل هذه الفئات سيتعرض وجودها للتهديد المباشر من قبل سيطرة إيدولوجيا اللون الواحد. فوجب حماية للتنوع، أن تتضافر القوى الحية فيما بينها وأن لا تخضع لمشيئة قوى تسعى لطمس التنوع الحضاري في هذا الشرق.
التحدي اليوم هو الدفاع عن الحق بالحياة، والبقاء ليس فقط للأقوى بل للأصلح الذي يستطيع أن يتأقلم مع التحولات، ومن يستطيع أن ينساب مع هذه التحولات دون أن يفقد كينونته، والكينونة هي مجموعة مبادئ تنطلق من هوية الكائن وتعريفه الجيني، فلا يمكن أن تحافظ على هويتك إن قمت بتغيير كيانك، فالمتقمص في جسد آخر يخسر هويته الأولى وإن بقي فيه بعض من الصفات والمفاهيم القديمة، فعليه لا مندوحة للحفاظ على الهوية من الحفاظ على الكينونة الأساس التي بنيت عليها هذه الهوية.