الدكتور طوني بدر

من "ما بعد بعد حيفا" إلى "صخرة الروشة": "حزب الله" وخراب المغامرات

3 دقائق للقراءة

في مشهدٍ لا يخلو من الرمزية المريرة، تحوّل "حزب الله" من التهديد بـ"قصف ما بعد بعد حيفا"، إلى التحدي بـ"إضاءة صخرة الروشة" بصورة حسن نصرالله وهاشم صفي الدين. تبدّل المشهد، وتغيّرت المعادلات، ولم يبقَ من فائض القوّة سوى فائض الانفعال، ومن وهج "المقاومة" سوى صراخٍ على قرارٍ إداري اتّخذته الحكومة اللبنانية برفض تعليق صور القادة على أحد معالم العاصمة.

في السنوات الماضية، اعتاد الحزب أن يطلّ على اللبنانيين من فوق، متحكّمًا بمفاصل القرار. هو من يختار الرئيس، ويحدد شكل الحكومة، ويقرر متى تفتح البلاد ومتى تُعطّل. هو من أسقط المبادرات الدولية، وعطّل انتخاب رئيس، وهندس القوانين الانتخابية على قياسه، وربط لبنان بمحاور إقليمية بعيدة كل البعد عن مصلحة شعبه. اليوم، يبدو المشهد مقلوبًا. الحزب نفسه، الذي كان يمارس السلطة كأمر واقع، وجد نفسه يشتكي من قرار مجلس وزراء، ويتحرك في الإعلام كمنظمة مجتمع مدني غاضبة من قرار بلدي. تحوّل من سلطة فَرض إلى سلطة مُستجديّة، ومن "نحن من نقرر الحرب والسلم" إلى "لماذا لم يسمحوا لنا بإضاءة الصخرة؟"

الفرق بين "ما بعد بعد حيفا" و"صخرة الروشة" هو الفرق بين الحلم الإمبراطوري، وسقوطه في حفرة الواقع اللبناني. في الحالتين، يحاول الحزب صناعة رمزية: في الأولى، رمزية الردع والهيبة، وفي الثانية رمزية الوجود والسيطرة البصرية. لكن ما كان يُفرض بالقوة، لم يعد مقبولًا حتى على مستوى الإضاءة الاحتفالية. لا لأن الحكومة أقوى وحسب، بل لأن الحزب بات أضعف.

سقطت أوراق التوت. لم تعد الشعارات تكفي لتغطية انكشاف المشروع. لا الناس تُقنعهم الحكايات القديمة، ولا الدولة قادرة على تحمّل مزيد من التحديات العبثية. أما إضاءة صخرة الروشة، فليست مجرّد إجراء رمزي، بل تحدٍّ صريح لأهالي بيروت، الذين دُفعوا يومًا ثمن اجتياحٍ دموي في السابع من أيار، فإذا بهم اليوم يُستفزّون بصور على معلم من معالم مدينتهم، كأن الرسالة تغيّرت من احتلال الشوارع إلى احتلال الذاكرة البصرية.

ما جرى في ملف "صخرة الروشة" ليس تفصيلًا شكليًّا. هو مرآة لتحوّل عميق. حزب اعتاد كسر قرارات الدولة، صار يطلب موافقتها. حزب اعتاد فرض صور القادة على مداخل الضاحية، صار يغضب لأن صورهم لم تُعلّق على معلمٍ عام. حزب اعتاد التهديد بالحرب، صار يُهَدِّد... بالإنارة. هي ليست صدفة، بل نتيجة طبيعية لمغامرات فاشلة خيارات خاطئة جسيمة. فمن يربط مصير لبنان بمصير محور خارجي، عليه أن يتحمّل العزلة. ومن يختار الحرب الأبدية، عليه أن يقبل بانهيار الدولة التي يضع نفسه فوقها. ومن يرفض الإصلاح، سيُهزم أمام أول قرار إداري.

قد يقول قائل: الحزب ما زال موجودًا عسكريًّا. لكن القوة التي تفشل في ترجمة سطوتها سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، هي وهم قوة. والهزيمة لا تبدأ في الميدان، بل حين يصبح الحزب أسير صورته، يخشى فقدانها، ويستنكر من لا يشارك في تمجيدها. في النهاية، لم تكن القضية قضية صورة على الصخرة. بل صورة فقدت بريقها، وسُلطة فقدت توازنها، ومشروع فقد شرعيته.