نجح العراق حتى الآن في أن ينأى بنفسه عن "حرب الطوفان"، خلافًا لـ "الحوثي" في اليمن و"حزب الله" في لبنان. وحاول بشار الأسد أن ينأى بنفسه برفضه الانضمام إلى حرب المساندة لـ "الحزب" و"حماس" على رغم ما تردّد عن زيارة خاطفة قام بها السيد حسن نصرالله لدمشق، بعد إعلانه "حرب الإسناد"، واجتماعه مع الأسد لمدة 12 ساعة متواصلة محاولًا إقناعه بضرورة الانضمام إلى جبهة الإسناد، لكنه لم يفلح.
لكن نأي الأسد بنفسه لم يُنقذ نظامه من السقوط نظرًا إلى ضعفه أولًا، واستغلال "هيئة تحرير الشام" ثانيًا الضربات القاتلة التي تلقاها "حزب الله" بدءًا من اغتيال أمينه العام وقيادة الصف الأول، وصولًا إلى توقيعه صك استسلام في 27 تشرين الثاني 2024، فضلًا عن الضربات التي تعرضت لها ميليشيات إيران في سوريا. وبالتالي، فور وقف إطلاق النار بين إسرائيل و"الحزب"، شرعت الهيئة في حربها ضد الأسد، وكان توقيتها مثاليًا لمواصلة زحفها نحو دمشق.
وإذا كان الأسد حيّد نفسه عن حربي الطوفان والإسناد إدراكًا منه أن انخراطه قد يؤدي إلى سقوط نظامه، فالمستغرب كان هو قدرة العراق على تحييد نفسه عن هذه الحرب التي عادت وانخرطت فيها إيران مباشرة. ومن هنا تبرز التساؤلات التالية: هل من المعقول أن تختلف أذرع إيران في العراق عن أذرعها في غزة ولبنان وسوريا واليمن، بمعنى أن لديها حكمة وبصيرة؟ هل من المعقول أن تملك أذرع إيران في العراق استقلالية كافية لعدم الانخراط في الحرب دفاعًا عن إيران نفسها في حرب استمرّت مع إسرائيل 12 يومًا؟ هل يُعقل أن الدولة في العراق أقوى من ميليشيات إيران على رغم التداخل الجغرافي، وأن الدولة منعت هذه الميليشيات من توريط العراق في الحرب؟
هناك من يقول ردًا على بعض هذه التساؤلات إن أذرع إيران لا تختلف عن بعضها، فنشأتها وأهدافها وتفكيرها واحد، ووضع العراق لا يختلف عن وضع لبنان واليمن حيث تسعى ميليشيات إيران للسيطرة على مفاصل الدول والتصرُّف من دون العودة إلى الدولة. ولو أرادت طهران أن ينخرط العراق في الحرب، لما تأخّر لحظة واحدة في الانخراط، لكن لماذا إذًا، حيّدت طهران بغداد عن الحرب؟
قد يكون السبب وراء تحييد إيران للعراق عن الحرب مع إسرائيل مثلّثًا من الأهداف:
الهدف الأول، حاجتها إلى العراق كمنصة مالية متقدمة لها، باعتبار أن العراق ساحة مفتوحة على عواصم الغرب والشرق، بخلاف وضع إيران، ولا تريد خسارة هذه المنصة التي تموِّل عبرها ميليشياتها.
الهدف الثاني، حاجتها إلى العراق كموطئ قدم آمن نسبيًا لميليشياتها الفلسطينية واللبنانية واليمنية، فلا تريد تحويل كامل جغرافية محورها إلى مناطق محظورة تشكل خطرًا على جماعاتها.
الهدف الثالث، حاجتها إلى العراق كمساحة آمنة خشية أن تؤدي أي حرب إلى خسارتها للعمق العراقي وعودتها إلى مرحلة ما قبل العام 2003. فأكثر ما تخشاه إيران هو فقدان عمقها العراقي، وعودتها إلى الزمن الذي كانت محاصرة فيه من العراق، خصوصًا بعد خسارتها لسوريا كموقع استراتيجي أساسي لمحورها.
لكن يبدو أن إسرائيل، ومن خلفها أميركا، وبعد أن سيطرت تل أبيب إلى حد كبير على الوضع في غزة ولبنان وسوريا واليمن، بدأت توجِّه إنذاراتها للعراق بضرورة إنهاء دور ميليشيات إيران، وأنها لن تسمح بوجود مساحة آمنة لأذرع إيران التي لجأت إليه لتحتمي من اغتيالات الجيش الإسرائيلي.
ومن الواضح، وفق تسلسل الأحداث، أن بنيامين نتنياهو لن يُنهي حروبه في المنطقة قبل أن يتخلّص من النظام الإيراني نفسه، ولذلك، تبدو الحرب طويلة الأمد. وهذا يعني أنه بعد أن ينتهي من "حماس" في غزة، و"حزب الله" في لبنان، والمسألة لم تعد بعيدة، فإن وجهته ستكون نحو العراق بهدف ضرب ميليشياته، وإسقاط منظومتها المالية، وإطباق الحصار الجغرافي على إيران.
والسؤال الأخير: هل سينجح العراق في إبعاد شبح الحرب عنه؟ يتبع.