تستعد جبيل لتحتفي على إيقاعات التانغو وأجوائه الآسرة، بانطلاق النسخة العاشرة من "Byblos Tango Festival" تحت شعار "Vive el Tango" . ابتداءً من اليوم وحتى 28 أيلول الجاري، ثلاثة أيام تتحوّل خلالها "ساحة اليونسكو" في مدينة بيبلوس إلى مسرح مفتوح للرقص والموسيقى، حيث يشارك نخبة من العازفين اللبنانيّين ذوي الحضور العالمي أمثال بسام شليطا، وماريو راعي، وخاشاتور سافزيان ونديم روحانا، في إحياء أمسية افتتاحية راقية تحمل روح التانغو الأصيل. وبين الشغف الفني والبُعد السياحي، بات هذا المهرجان واحدًا من أبرز المواعيد الثقافية في لبنان، ومناسبة تعزّز مكانة جبيل كوجهة تلتقي فيها الفنون والتاريخ والبحر.
خبرة السنوات التسع السابقة في إعداد مهرجان التانغو جعلت التحضيرات مع الوقت تصبح أكثر تنظيمًا ووضوحًا، على ما يقول لـ "نداء الوطن" مؤسِّس المهرجان، الراقص والمدرّب مازن كيوان. لكنّ النسخة العاشرة من هذه الاحتفاليّة الراقصة تحمل رمزيّة خاصة تستحق جهدًا مضاعفًا، خصوصًا أنّ الختام هذه السنة سيكون استثنائيًا عبر أمسية موسيقية يمتزج فيها العزف الحيّ برقص الجمهور في سهرة تفاعليّة نابضة بالحياة.
"تحديد موعد المهرجان في نهاية الموسم السياحيّ ليس عشوائيًا"، يقول كيوان، ففي هذه الفترة "تتراجع ضغوط العمل وتصبح الأجواء أنسب للرقص في الهواء الطلق، كما تنخفض كلفة السفر للقادمين من خارج لبنان مقارنةً بفترة الصيف".
يستعيد كيوان نسخة العام 2012 من المهرجان الذي استقطب سنتذاك 250 مشتركًا من 34 جنسية، ما جعل جبيل منصّة دوليّة ومساحة لحراك اقتصادي لافت، قبل أن تتأثر المشاركة بالأوضاع الإقليمية.
تحدّيات اقتصادية وغياب الرعاة
كما العديد من المهرجانات الفنية والثقافية على امتداد البلد، يواجه "Byblos Tango Festival" صعوبات جمّة، أبرزها الواقع الاقتصادي، ارتفاع تكاليف السفر، وغياب الرعاة الأساسيّين. "ليس لدينا راعٍ قويّ للمهرجان" يقول كيوان الذي يضيف أنّ "البلديّة تساعدنا قليلًا لكن الدعم يبقى محدودًا"، مشددًا على أنّ الشغف وحده هو ما يُبقي المهرجان حيًّا.
نشاط فريق العمل لا يقتصر على المهرجان السنويّ، بل يمتد طيلة العام من خلال "مدرسة التانغو" التي تنظّم دورات متجدّدة، وسهرات "ميلونغا" شهريّة، فضلًا عن حفلات موسيقية كالّتي أُقيمت في "بيت الفنان" في بلدة حمّانا. كلّها مبادرات تسعى لنشر ثقافة رقص التانغو في لبنان، وإن كانت غير كافية وحدها لدعم مهرجان دوليّ بهذا الحجم.
هويّة المكان وروح المهرجان
اختيار جبيل مكانًا لفعاليات المهرجان لم يكن صدفة. يقول مازن كيوان إنّه اكتشف "ساحة اليونسكو" صدفةً: "شاهدت كنيسة من جهة، متحفًا من جهة أخرى، جامعة، مطاعم وموسيقى… هذه الساحة تختصر لبنان كلّه". ومنذ ذلك الحين أصبحت جبيل العنوان الثابت للمهرجان، خصوصًا أنّ زوّارها الأجانب يعشقون تاريخها وقلعتها وبحرها وأهلها.
بفضل خبرته الطويلة في أوروبا وعلاقاته مع المهتمّين والمعنيّين بعالم التانغو، ينتقي كيوان ضيوفه الدوليّين بعناية. يقول: "لا أدعو فنانًا إلا إذا شاهدته شخصيًا على المسرح أو في الصفّ. يهمّني أن يكون قريبًا من الناس ولطيفًا، وأن يقدّم قيمة مضافة". بالنسبة إليه، المشاركة لا تقوم على المجاملات بل على خبرة مباشرة ومعرفة شخصية.
لبنان السبّاق
يشير مؤسِّس المهرجان والراقص والمدرّب مازن كيوان، إلى أنّ لبنان كان السبّاق عربيًّا في إطلاق أول مهرجان للتانغو عام 2009، قبل أن تتبعه مبادرات متفرّقة في دبي والأردن لم يُكتب لها الاستمرار. "على الرّغم من كل شيء، ما زلنا نحافظ على هذا المهرجان"، يردّد كيوان بفخر.
وعلى مدى ثلاثة أيام، بين اليوم الجمعة وبعد غدٍ الأحد، تمتدّ أنشطة المهرجان الراقص. وتتوزّع فعاليّاته بين ورش عمل، سهرات ميلونغا، وحفلات موسيقيّة حيّة. يتوقع كيوان مشاركة نحو 300 شخص، و"هؤلاء ليسوا جمهورًا متفرِّجًا فقط، بل هم أشخاص يرقصون ويعيشون التانغو بكامل تفاصيله".
أخيرًا، يلفت مازن كيوان إلى أنّ نجاح رقص التانغو يعتمد على الشراكة الحقيقية بين الراقص والراقصة، ويصف الأمر بأنه ليس مجرّد تبادل أدوار أو ظهور على المسرح، بل مشاركة حقيقية تحدّد لكلّ طرف متى يبدأ ومتى ينتهي، مع احترام متبادل لِدَور الآخر.