د. جوسلين البستاني

"حزب الله" و "مسيرة القرارات الطائشة"

4 دقائق للقراءة

بعيدًا من التوقّعات والمعطيات، فإن المواجهة المقبلة بين "حزب اللّه" وإسرائيل لن تنشأ نتيجة سوء تقدير أو أخطاء حسابية، بل ستكون ثمرة منطقين استراتيجيين متباينين بين "حزب اللّه" وإسرائيل:

المنطق الأول، الذي اعتمده "حزب اللّه"، يُجسّد "مسيرة القرارات الطائشة" (The March of Folly)، وهو إطار لتحليل الأخطاء التاريخيّة قدّمته المؤرّخة Barbara W. Tuchman، حيث فسّرت كيف يُصرّ بعض الحكّام على انتهاج سياسات يدركون مسبقًا أنها ستقود إلى الكارثة.

وفقًا لهذا المفهوم، ينجم هذا السلوك عن قصور في التكيّف، إذ تتمسّك المنظمات والجماعات الهوياتيّة غالبًا بالروتين والسرديّات الوجودية أكثر من اعتمادها على الحسابات العقلانية. ولهذا تستمرّ في السير على طريق يؤدي حتمًا إلى الخراب، بسبب عجزها مؤسّسيًا وأيديولوجيًا عن التوصّل إلى حلول وسط.

وبما أن بقاء "حزب اللّه" كفاعل سياسي وعسكري مرتبط بهويّته كـ "حركة مقاومة"، فهذا الخيار مصيريّ غير قابل للتفاوض، لأن التخلّي عن سلاحه يعني التنازل عن المبرّر الأساسي لوجوده، ويعدّ بمثابة انتحار سياسي. كما أن التنازل عن السلاح سيُضعف مكانته بالنسبة إلى طهران.


من جهة أخرى، ورغم إدراكه هشاشة الوضع في لبنان وضعفه الذاتي بعد عام 2024، يصرّ "حزب اللّه" على إعادة بناء قدراته، أي السعي إلى إعادة التسلّح، مع علمه بأن ذلك يضمن تجدّد الحرب ودمار الوطن. فإيران، رغم مواجهتها حدود قوّتها، يمكنها أن تشجّع موقف "حزب اللّه" لكنها لا تستطيع حمايته من الضربات الإسرائيلية.

هذه هي دينامية "مسيرة القرارات الطائشة" في نسختها اللبنانية المعاصرة: مسيرة متعمّدة نحو كارثة متوقعة.

المنطق الثاني، وبينما يقع "حزب اللّه" في أسر هويته التنظيمية، يرتكز منطق إسرائيل على التنفيذ بعد الانتصار. فالدول التي تُحقّق نصرًا عسكريًا مُطالَبة بفرض شروط التسوية ما بعد الحرب، وإلّا فقدت صدقيتها الردعية أمام خصومها وأمام جمهورها الإقليمي الأوسع. ويتوافق هذا مع منطق الإنفاذ في النظم التي تعقب الحروب، حيث يتعيّن على المنتصرين منع الخصوم المهزومين من إعادة تكوين قوّتهم.

ويستند هذا المفهوم إلى عدة مراجع، منها نظرية الردع (Schelling, Jervis)، وكتابات مُتعلّقة بالسمعة والمصداقية (Huth, Mercer, Press)، التي توضح كيف تُصعّد الدول للحفاظ على مصداقيتها ليس فقط تجاه الخصم، بل أيضًا تجاه الأطراف الخارجية. كما يشمل منطق الإنفاذ في نظم ما بعد الحرب (Lake, Ikenberry)، حيث يجب على المنتصرين تنفيذ شروط التسوية لتعزيز النتائج المُحقّقة.

ولسنوات طويلة، اعتبرت إسرائيل الحرب الشاملة مع "حزب اللّه" كابوسًا بسبب ترسانته الصاروخية. لكن حرب 2024 قلبت المعادلة، إذ أثبتت أن هذه المجموعة قابلة للهزيمة عسكريًا، وأن الردع الذي كبّلها لم يعد ساريًا. بالتالي، يُنظر اليوم إلى تحدّي "حزب اللّه" لبند نزع السلاح لا كأمر قابل للتسامح، بل كتهديد مباشر لنتائج نصر 2024. ولا تستطيع إسرائيل السماح بإعادة تسلّح "حزب اللّه"، فالتساهل معه لن يؤدي سوى إلى انهيار صدقيتها داخليًا وإقليميًا، حتى ولو تطلّب ذلك عملًا عسكريًا متجدّدًا. لأنه خلافًا لـ "حزب اللّه" الذي تحكمه هويته التنظيمية، وكما سبق وأشرنا، يستند منطق إسرائيل إلى الردع والمصداقية في إنفاذ القرارات. فالدولة المنتصرة لا يمكنها السماح للخصم المهزوم بإعادة بناء قوّته، وإلّا فقدت هيبتها أمام أعدائها وجمهورها.


إن جمع هاتين الفرضيّتين معًا، أي "مسيرة القرارات الطائشة" و "منطق الإنفاذ في النظم التي تعقب الحروب"، يقود إلى نتيجة واحدة: حتميّة التصعيد.

فـ "حزب اللّه" لا يستطيع تصحيح مساره ذاتيًا، إذ تضمن هويّته التنظيمية أنه سيسير نحو الصراع. ومن دون آليات إنفاذ جدّية لدعم وقف إطلاق النار، ستفشل جميع الوساطات. وعلى الولايات المتحدة والأوروبيين والعرب أن يكونوا واقعيين: ردع "حزب اللّه" يتطلّب أدوات ضغط وإكراه، وليس الاكتفاء بالإقناع.

ولأن المواجهة المقبلة بين "حزب اللّه" وإسرائيل لن تنشأ نتيجة خطأ في التقدير، بل هي ثمرة منطقين استراتيجيين متناقضَين، ولأن أحد الفاعلين لا يستطيع التراجع عن منطق "مسيرة القرارات الطائشة"، بينما الآخر مرتبط منطقيًا بفرض مكاسبه، فإن لبنان، ما لم تغيّر الأطراف الدولية هذه المعادلة، يسير على طريق مُحدّد سلفًا نحو الدمار المؤكّد.