طوني ماكماهون

الاتفاق السري الذي زعزع استقرار الشرق الأوسط

5 دقائق للقراءة

المصدر: The Beiruter

كتب طوني ماكماهون في موقع The Beiruter المقال الآتي:

من المجازر الدامية في غزة اليوم إلى حروب العراق وتمرد سوريا، هل يمكن تحميل مسؤولية هذه الصراعات لدبلوماسيين أوروبيين اثنين عاشا قبل قرن من الزمن؟ يرى كبار الباحثين أن اتفاقية سايكس–بيكو السرّية، التي صاغتها بريطانيا وفرنسا عام 1916، ألقت بظلالها الثقيلة على حياة ملايين البشر في الشرق الأوسط.

تمت المصادقة على اتفاقية سايكس–بيكو بسرية في مايو/أيار 1916، ولم يُكشف عنها للرأي العام إلا عندما نشرها البلاشفة بعد استيلائهم على السلطة في روسيا عام 1917. وقد أظهرت الاتفاقية كيف كانت القوى الغربية تخطط لتقسيم الشرق الأوسط.

رسم الحدود في الخفاء

في عام 1916، كانت الحرب العالمية الأولى تشتعل في أوروبا، لكن كان واضحاً أنه بمجرد إحلال السلام فإن بعض الإمبراطوريات والملكيات القديمة لن تتمكن من البقاء. وكان أكبر الخاسرين الإمبراطورية العثمانية، المتمركزة فيما يُعرف اليوم بتركيا، والتي حكمت معظم بلاد الشام والجزيرة العربية لقرون. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، كان يُنظر إلى العثمانيين على أنهم "الرجل المريض" الذي تبقيه بريطانيا وفرنسا على قيد الحياة بوسائل مصطنعة.

اصطفاف العثمانيين غير الحكيم إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى منح بريطانيا وفرنسا الذريعة المثالية لتقسيم أراضي السلطان العربية إلى "انتدابات" تُدار من لندن وباريس. وقد رسم دبلوماسيان مهنيان، السير مارك سايكس (1879–1919) من وزارة الحرب البريطانية، وفرانسوا جورج–بيكو (1870–1951)، القنصل الفرنسي في بيروت، خطوطاً على الخريطة. فخضعت سوريا ولبنان للسيطرة الفرنسية، بينما وُضعت فلسطين والأردن والعراق تحت إشراف بريطاني.

أما القدس فكان من المقرر أن توضع تحت إدارة دولية لتهدئة الإمبراطورية الروسية. لكن الأحداث سرعان ما قوّضت هذا الجزء من خطة سايكس–بيكو؛ إذ استحوذت بريطانيا على القدس ببساطة عند سيطرتها على فلسطين. وتقبّل الفرنسيون هذا الواقع الجديد، بينما أطاح البلاشفة بالقيصر الروسي عام 1917، دون أن يُبدوا أي اهتمام بالسياسات الدبلوماسية السابقة.

وعود منقوضة وخيانات

سبقت اتفاقية سايكس–بيكو مراسلات سرّية بين الشريف حسين بن علي والمفوض السامي البريطاني في القاهرة هنري مكماهون (1914–1915)، تعهّدت فيها بريطانيا بدعم طموحات العرب في قيادة المنطقة مقابل مساعدتهم في هزيمة العثمانيين. لكن نشر الاتفاقية لاحقاً كشف زيف تلك الوعود، لتظهر الخيانة جلية. وزاد الطين بلّة "وعد بلفور" عام 1917، الذي أعلن فيه البريطانيون دعمهم لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مع التأكيد في العلن على عدم المساس بحقوق السكان غير اليهود.

سايكس–بيكو وظلالها حتى اليوم

يتناول فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، في كتابه الأخير الخيانة الكبرى: الصراع من أجل الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط، كيف أن اتفاقية سايكس–بيكو، إضافة إلى تدخلات أخرى من القوى الغربية، حرمت شعوب المنطقة من أي دور في تقرير مصيرها. ويقول جرجس: "الشرق الأوسط الحديث اخترعته بريطانيا وفرنسا الاستعماريتان بين عام 1916 والعشرينيات. إعلان بلفور واتفاقية سايكس–بيكو يمثلان الخطيئة الأصلية التي ما زالت تلاحق المنطقة، ولا شك عندي أن سايكس–بيكو ألقت بظلال طويلة." ويرى أن بريطانيا تتحمل أكثر من أي قوة عظمى أخرى المسؤولية عن المآسي المتواصلة للفلسطينيين.

أما نادية ناصر–نجاب، المحاضِرة في الدراسات الفلسطينية في معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر، فترى أن مراسلات حسين–مكماهون، واتفاقية سايكس–بيكو، ووعد بلفور تمثل جميعها "إرث بريطانيا من التضليل" في فلسطين. إذ أعلنت بريطانيا في العلن دعمها لوطن قومي لليهود، وفي الوقت نفسه التزمت باستقلال الفلسطينيين، لكنها خلف الأبواب المغلقة قدّمت الأجندة الصهيونية على تطلعات الشعب الفلسطيني. وتضيف ناصر–نجاب: "كل ما حدث على مدى القرن الماضي، من تقسيم فلسطين إلى قيام إسرائيل والنكبة الفلسطينية، يجد جذوره في تلك الاتفاقية السرية. فهي جزء من إرث استعماري أوسع بدأ باتفاقية سايكس–بيكو عام 1916، عندما قسّمت بريطانيا وفرنسا الشرق الأوسط لخدمة مصالحهما الإمبريالية. هذه الاتفاقية السرية شكّلت الأساس للتدخلات الأجنبية، وزرع الفوضى، وفرض الحدود، وتمهيد الطريق لاستعمار فلسطين".

ومن المفارقات، تتابع ناصر–نجاب، أن السياسيين الإسرائيليين اليوم يمزقون فعلياً اتفاقية سايكس–بيكو عبر تجاهل الحدود التي أوصت بها. إذ يتعهد مقربون من القيادة الإسرائيلية بـ"التوسع خارج فلسطين التاريخية، مستهدفين مناطق في لبنان وسوريا والأردن وحتى السعودية".

لكن ليس الجميع يتبنى فكرة أن مآسي اليوم في المنطقة يمكن إرجاعها إلى سايكس–بيكو. فالدكتورة إليزابيث مونييه، أستاذة مساعدة في الدراسات العربية الحديثة بجامعة كامبريدج، ترى أن "الربط بين صراعات اليوم واتفاقية سايكس–بيكو يُبسّط تعقيدات السياسة الشرق أوسطية المعاصرة بشكل مفرط". وبرأيها، فإن ما يجري من فظائع في غزة لا يعود إلى اتفاقية عمرها قرن أبرمها دبلوماسيان أوروبيان من الحقبة الفيكتورية، بقدر ما يعود إلى الفشل في تطبيق القانون الدولي والنظام القائم على القواعد. وهذا، في نظرها، هو السبب الحقيقي لتفاقم المأساة اليوم.

ومع ذلك، لا شك أن سايكس–بيكو أرست سابقة في الخداع والغدر، يعتقد الكثيرون في المنطقة أنها أصبحت سمة مميزة لنهج الغرب في التعامل مع صراعاتهم وحروبهم. والأسوأ أن الصفقات السرية المشابهة التي أعقبتها، ومعها العديد من الاتفاقيات الأخرى، لم تؤدِّ إلا إلى المزيد من سفك الدماء، لأنها كانت مدفوعة بالمصالح الذاتية أكثر من مصالح الشعوب العربية.