في خطوة تاريخية، شهدت الرياض توقيع اتفاقية دفاعية استراتيجية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية، الدولة النووية التي تضيف بعدًا استراتيجيًا مهمًا للشراكة بين البلدين. وتنصّ الاتفاقية على أن أيّ اعتداء على أحد الطرفين يُعدّ اعتداءً على كليهما، ما يعيد ترتيب موازين القوّة في منطقة الشرق الأوسط منذ عملية 7 أكتوبر، التي أدخلت الإقليم في فوضى عارمة لم يتمكّن أحد حتى اليوم من احتوائها أو الحدّ من آثارها المدمّرة. كما تعزز الاتفاقية آليّات الردع المشترك والأمن الإقليمي في ظلّ التحوّلات الجيوسياسية المتسارعة.
في حديث حصريّ لصحيفة "نداء الوطن"، اعتبر السفير السعودي السابق لدى باكستان ولبنان الدكتور علي عواض عسيري أن توقيع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف على الاتفاقية يمثل قفزة تاريخية في مسار تحالف ممتدّ لأكثر من نصف قرن بين المملكة وباكستان.
وقال عسيري إن الاتفاقية، التي نصّت على أن "أي اعتداء على أحد البلدين يُعدّ اعتداءً على كليهما"، تعكس مأسسة لشراكة دفاعية راسخة طالما صمدت أمام المنعطفات التاريخية الكبرى. وأضاف أن قيمتها الحقيقية تكمن في تعزيز الردع المشترك وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، على نحو يشبه ترتيبات الأمن الجماعي في تحالفات كبرى مثل "الناتو" ومجلس التعاون الخليجي.
وأكد السفير السابق أن الاتفاقية، رغم توقيعها بعد وقت قصير من القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الدوحة، تمثل تتويجًا لسنوات طويلة من الحوار المستمرّ بين أكثر دولتين حليفتين، وليست ردّ فعل لموقف أو حدث محدّد، بل تعكس مأسسة شراكة استراتيجية عميقة وراسخة بين الرياض وإسلام آباد.
وأشار إلى أن المصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق يشكّلان أساس هذه الاتفاقية التاريخية، التي تنقل العلاقات العسكرية الثنائية، التي صمدت أمام اختبارات عديدة، إلى مستوى جديد. وتعدّ هذه الاتفاقية الخلاصة المنطقية لعقود من الجهود الراسخة والمخلصة التي بذلها القادة والحكومات المتعاقبة، مدعومةً بتأييد ثابت من الشعبين السعودي والباكستاني.
وأكد عسيري أن الاتفاقية امتداد لمسار طويل بدأ منذ الستينات في عهد الملك فيصل والرئيس أيوب خان، عندما قدّمت باكستان التدريب والدعم للقوات الجوية الملكية السعودية، بدءًا بتوقيع أوّل اتفاقية دفاعية عام 1967، ثمّ بروتوكول 1982 الذي أسّس لنشر عشرات الآلاف من الجنود الباكستانيين في السعودية.
كما ذكّر بالدور الباكستاني في حماية المملكة إبّان حرب الخليج، والتعاون الوثيق في مكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول، وصولًا إلى قيادة الجنرال راحيل شريف للتحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب عام 2017.
وأكد السفير السابق أن الاتفاقية تنسجم مع أهداف رؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد، والتي أولت أهمية كبرى لتعزيز الشراكات الدفاعية، موضحًا أن هذه الرؤية وجدت صدى مباشرًا في إسلام آباد، حيث نسج القادة الباكستانيون علاقات وثيقة مع القيادة السعودية، خصوصًا قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف، فيما نال وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وسام "نيشان باكستان" العام الماضي.
وأضاف عسيري أن الاتفاقية الجديدة ستفتح الباب أمام مرحلة متقدّمة من التعاون تشمل الصناعات الدفاعية والإنتاج المشترك والتدريب المتطوّر، بما ينسجم مع توجّه المملكة نحو بناء صناعة عسكرية وطنية حديثة تستفيد من الخبرات الباكستانية الطويلة.
وشدّد السفير على أن للاتفاقية بعدًا سياسيًا بارزًا، إذ تعكس إدراك السعودية مكانة باكستان الدولية المتجدّدة، ولا سيّما بعد إعادة تموضعها عقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتجديد علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن في عهد الرئيس ترامب، بالتوازي مع توسيع شراكاتها مع الصين وتركيا وأذربيجان.
وختم الدكتور عسيري تصريحه بالتأكيد على أن الاتفاقية تمثل مزيجًا من الاستمرارية والتجديد: استمرارية لمسار تاريخي طويل من التعاون العسكري غير المنقطع، وتجديد عبر تكييف هذه العلاقة مع التحدّيات العالمية المتسارعة، مشيرًا إلى أنها ليست فقط ضمانة لأمن البلدين، بل ركيزة لاستقرار إقليمي أشمل يعكس رؤية الرياض وإسلام آباد لمستقبل قائم على الشراكة والدفاع المشترك.