في 22 آذار 1945، تأسست جامعة الدول العربية في القاهرة، في لحظة كان فيها العالم العربي يخرج من الاستعمار ويتجه نحو بناء الدول الوطنية. لم تكن الجامعة مجرد منظمة إقليمية، بل محاولة لبناء نظام عربي يجمع الدول المستقلة حول مصالح وقضايا مشتركة، وفي مقدمتها فلسطين.
على مدى عقود، كانت الجامعة عنواناً للعمل العربي المشترك. حضرت في الحروب العربية–الإسرائيلية، وفي القضية الفلسطينية، وفي أزمات عربية عدة، وكان للدول العربية، ضمن إطارها وخارجه، دور أساسي في لبنان، وصولاً إلى اتفاق الطائف عام 1989.
لكن هذا النظام بدأ يتراجع تدريجياً. كشفت حرب الكويت عام 1990 حجم الانقسام العربي، ثم جاءت حروب سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان لتؤكد أن المصالح الوطنية والإقليمية أصبحت أقوى من فكرة التضامن العربي.
في المقابل، صعد الخليج.
منذ تأسيس مجلس التعاون عام 1981، تطورت دوله من تجمع إقليمي إلى مركز ثقل سياسي واقتصادي وأمني. أصبحت الرياض وأبو ظبي والدوحة عواصم قرار إقليمية، ولم تعد تنتظر بالضرورة إجماع الجامعة للتحرك.
وهنا انتقل مركز الثقل من المؤسسة العربية الجامعة إلى الدول العربية القادرة على الفعل.
وجاءت اتفاقية الدفاع السعودية–التركية–الباكستانية في مكة في 7 آب 2026 لتكشف مرحلة جديدة. فالاتفاق لا يجمع دولاً عربية فقط، بل يضم السعودية إلى قوتين إقليميتين غير عربيتين، ما يعكس انتقال مفهوم الأمن من «التضامن العربي» إلى تحالفات إقليمية تقوم على المصالح والقدرات والتوازنات.
وهذا لا يعني أن جامعة الدول العربية انتهت، بل يعني أن العالم الذي تأسست فيه لم يعد موجوداً بالشكل نفسه. فالجامعة ما زالت تمتلك الشرعية العربية، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على تحويل المواقف إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
القاهرة كانت مركز ولادة النظام العربي عام 1945، بينما أصبحت الرياض اليوم واحدة من أهم مراكز إعادة تشكيل النظام الإقليمي. وبين المرحلتين تغيرت قواعد القوة: لم تعد الهوية وحدها تصنع التحالفات، بل أصبحت المصالح والاقتصاد والأمن والقدرة على بناء الشراكات هي العناصر الحاسمة.
وهذا التحول يطال لبنان مباشرة. فلبنان الذي عاش طويلاً داخل النظام العربي، وكان اتفاق الطائف إحدى أبرز تسوياته العربية، يجد نفسه اليوم أمام نظام إقليمي جديد. ولم يعد السؤال فقط عن علاقته بالجامعة، بل عن موقعه في شبكة التحالفات التي تتشكل حوله.
وفي هذا السياق، يحتاج المسيحيون اللبنانيون إلى قراءة التحول لا إلى انتظار عودة الماضي. فدورهم لن يستعاد بالانكفاء الطائفي أو بالحنين إلى موازين قوى انتهت، بل بالعودة إلى مشروع الدولة والمشاركة في صياغة موقع لبنان داخل النظام الإقليمي الجديد.
لذلك لا أعتقد أن الأدق أن نقول إن جامعة الدول العربية انتهت.
الأدق والأعمق هو:
انتقل مركز الثقل من جامعة الدول العربية إلى مراكز قوى عربية وإقليمية قادرة على الفعل.
وهذا لا يعني موت العرب، بل نهاية مرحلة من النظام العربي الذي عرفناه منذ عام 1945.
فإذا كانت القاهرة قد أسست النظام العربي في 1945، فإن مكة في 2026 قد تكون شاهدة على ولادة مرحلة مختلفة: مرحلة تصنع فيها التحالفات الجديدة دول عربية وازنة بالشراكة مع قوى إقليمية أخرى.
وعندها لا نكون أمام مجرد تراجع في دور جامعة الدول العربية، بل أمام إعادة تشكيل للنظام الإقليمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي قلب هذا التحول يقف لبنان أمام لحظة تاريخية دقيقة: إما أن يعيد تعريف موقعه ودوره في النظام الإقليمي الجديد، أو يبقى أسير نظام عربي قديم يتراجع دوره من حوله، فيما تتغير مراكز القوة والتحالفات والخرائط السياسية دون أن ينتظر أحدٌ لبنان.