هكذا إذاً انتهت "المقاومة"! بعد أربعين سنة من الشعارات الصاخبة عن القدس والأقصى وفلسطين، واسرائيل اوهن من بيت العنكبوت، يقرر "حزب الله" أن يختصر الحكاية كلّها بصورة حسن نصرالله وهاشم صفي الدين مرسومة بالليزر على صخرة الروشة. أي هبوط فكري وسياسي هذا؟ أي قلة احترام لعقول الناس؟
أين القدس التي وعدونا بتحريرها؟ أين فلسطين التي كانت "قضية الأمة"؟ يبدو أن "التحرير" اختُصر في إضاءة صخرة بحرية ببيروت، وكأن نصرالله حرّر الروشة من عتمتها! وكأن إنارة حجر أهم من تحرير وطن. يا لها من مقاومة مضيئة بالفراغ!
المضحك أن القائمين على هذا المشهد يتعاملون وكأنهم أنجزوا معركة كبرى. تراهم يصفقون لأنفسهم: "ها قد هزمنا إسرائيل… على صخرة الروشة!". أي مهزلة هذه؟ أي ابتذال؟ هل وصلنا فعلاً إلى زمن تصبح فيه صورة زعيم على حجر بحري أعظم إنجاز للحزب؟
الأكثر إثارة للاشمئزاز هو قلة الأدب مع بيروت نفسها. الروشة ليست ملكاً لحزب ولا لزعيم، بل رمز لمدينة قاومت ودفعت دماء. أن تُختطف الصخرة وتتحول إلى لوحة دعائية للزعيم، فهذا إهانة لبيروت وأهلها، وسقوط جديد في درك الاستعراض الرخيص.
لم يتوقفوا ولو للحظة بالضحك على جمهورهم بوهم "الانتصار". يا جماعة، إذا كان هذا هو الانتصار بتحرير القدس، فسنحتاج إلى مئة عرض ضوئي آخر لنصل إلى ميدان صبرا! يبدو أن الحزب لم يعد يملك سوى العتمة التي صنعها في حياة اللبنانيين، فقرر أن يبيعهم ومضة ضوء على صخرة.
ولمن شاركوا في تنظيم هذا العرض: أي شعور ينتابكم وأنتم تحوّلون قضية فلسطين إلى دعاية رخيصة؟ أي فخر في أن تضعوا صورة رجل مكان القدس؟ صدقاً، أنتم لا تملكون لا الذكاء ولا الذوق ولا الاحترام. مجرد منفذي أوامر لاحتفال بائس، أقل ما يُقال عنه أنه قلة تهذيب بحق بيروت وتاريخها.
لقد نجح الحزب في شيء واحد فقط: إضاءة حقيقة جديدة. الحقيقة أن القدس والتحرير صارت مجرد شعار ات فارغة، وأن الزعيم صار هو "القضية"، وأن بيروت ليست سوى منصة لصورته. أما الشعب؟ فليغرق في العتمة والفقر، المهم أن تُضاء الصخرة بوجه “السيد”.
إنه اختراع لبناني جديد: مقاومة بالليزر! لا دماء، لا تحرير، لا فلسطين، فقط صورة زعيم على صخرة، وتهليل جماهير مضللة. هذه ليست مقاومة، هذا عرض كارتوني سخيف يليق "بكرنفالات" القرى لا بتاريخ مدن قاومت الاحتلال.
من القدس إلى الروشة… مسافة سقوط أخلاقي، سياسي، وجمالي. ومَن يصفق لهذه المهزلة لا يختلف عن الذي ينظمها: قليل وعي، قليل ذوق، وقليل أدب.