ريتا عازار

احتفالية اللامبالاة الكونيّة

يوم عالمي لـ "ما خصّني"

7 دقائق للقراءة

كم جميل لو يحتفل العالم بيوم عالميّ لـ "ما خصّني"! هو لن يكون احتفالًا بالبشريّة في أبهى لامبالاتها فقط، بل تكريمًا لأكثر مهارة مارسها الإنسان عبر العصور: تكريم للتهرّب من المسؤولية. سيكون يومًا لن يطلب منكم فيه أحد أن تكونوا أبطالًا، أو منقذين، أو حتى مواطنين صالحين. بل يكفي أن تتدرّبوا على فنّ اللامبالاة برفع الكتف وإطلاق عبارة باردة بملء أفواهكم: "ما خصّني". قد يبدو الأمر ساخرًا، لكنه في العمق يعكس فلسفة كاملة وهي أنّ النجاة الفرديّة أهمّ من التضحية الجماعية، وأنّ الصمت أحيانًا أعلى من أيّ خطاب، فاخطبوا وارفعوا أصواتكم ليس بـ "سنفرلو ع السنفريان" الخاصة بشيخ الملحّنين اللبنانيّين فيلمون وهبي، بل بـ "مااااااا خصّني".

لستُ أوّل من يتحدّث عن هذه العبقرية الإنسانية، إذ يُنسب إلى الأديب والفيلسوف الفرنسي الشهير ألبير كامو أنه كتب يومًا:  "اللامبالاة ليست غياب الاهتمام، بل هي شكل من أشكال الحرّية"، وهي عبارة تصلح لتكون شعارًا رسميًّا لليوم العالمي الجديد. تخيّلوا ملصقات ضخمة في شوارع العالم: صورة رجل يتمدّد على الكنبة بينما خلفه العالم يحترق، وتحتها العبارة الذهبيّة لكامو.

لو عدنا إلى التاريخ القديم، لوجدنا أنّ الرومان أنفسهم مارسوا هذا الفن. فالمؤرّخ سويتونيوس يذكر أنّ الإمبراطور نيرون كان يعزف على قيثارته بينما روما تحترق. البعض قال إنه كان شرّيرًا، لكن تحت ضوء فلسفة "ما خصّني" نيرون لم يكن سوى رائد مبكّر للاحتفال. في كلّ الأحوال رواية نيرون قصّة شائعة، وليست مؤكّدة تاريخيًّا، وأنا "ما خصّني".


مظاهر الاحتفال

كيف نحتفل بهذا اليوم العظيم؟ ببساطة تامّة، عبر الامتناع والتمنّع:

• إذا جاءكم أحد يطلب المساعدة في حمل الأغراض الثقيلة، تقولون: "ما خصّني".

• إذا رأيتم نقاشًا سياسيًّا محتدمًا على "فيسبوك"، بدل أن تتدخّلوا ضعوا "إيموجي" لوجه نائم واكتبوا: "ما خصّني".

• إذا سألكم مديركم لماذا تأخرتم عن العمل، أجيبوا بثقة: "إنه اليوم العالمي لـِ "ما خصّني"، و "ما خصّني" دوامك".

ومن مظاهر الاحتفال المبتكرة، نشرُ صُور "سيلفي" على "إنستغرام" مع "هاشتاغ" #ما_خصّني. وفي بعض الدول، قد يكون هناك من يقترح أن يكون يوم عطلة رسمية، حيث تلتزم الحكومات بعدم الردّ على أيّ أزمة، احترامًا للمناسبة. (مع بعض الدول التي أصلًا تمارس هذه السياسة طوال السنة).


الاقتصاد واللامبالاة

قد تظنون أنّ "ما خصّني" مجرّد شعار شخصيّ، لكن في الحقيقة قد يتحوّل إلى قطاع اقتصادي ضخم:

• شركات التأمين يمكن أن تُصدر بوليصة جديدة اسمها: "بوليصة ما خصّني"، إذا تعرّضتم لمشكلة، فالشركة تكتفي بإرسال رسالة قصيرة تقول: "نحن متأسّفون، لكن… ما خصّنا".

• شركات التكنولوجيا تطلق هواتف ذكيّة مزوّدة بِزرّ أحمر خاص، تضغط عليه في أيّ محادثة فيغلق التطبيق ويبعث للطرف الآخر إشعار: "المستخدم يحتفل بيوم ما خصّني".

• في الأسواق المالية، يمكن أن يظهر مؤشر جديد: "مؤشر ما خصّني العالمي"، يقيس مستوى اللامبالاة في البورصات عند كلّ انهيار.


التربية والتعليم

الأطفال أيضًا سيستفيدون من هذا اليوم، وبدل أن يُطلب من التلميذ أن يكتب موضوعًا إنشائيًا عن: "كيف ساعدت فقيرًا"، سيكون المطلوب منه: "اكتب موضوعًا عن أجمل مرّة قلت فيها ما خصّني".

أما في الجامعات، فمن الممكن افتتاح قسم جديد: "دبلوم في إدارة اللامبالاة". يشمل مواد مثل:

• مبادئ التسويف المتقدّم.

• علم الأعذار المقنعة.

• فلسفة الهروب من المسؤولية.


"ما خصّني" والعلوم

العلماء، من جهتهم، لم يستمرّوا صامتين. فتنسب بعض المصادر (وأنا ما خصّني) إلى ألبرت أينشتاين في رسالة عام 1950، قوله:  "العالم مكان خطير للعيش، ليس بسبب الأشرار، بل بسبب من يقفون متفرّجين من دون أن يفعلوا شيئًا". هذه الجملة يمكن أن تُقرأ بطريقتَين، إمّا كتحذير جدّي أو كتوصيف رائع لروح "ما خصّني".

تخيّلوا مؤتمرًا علميًّا بعنوان: "ما خصّني بين الديناميكا الحراريّة وعِلم الاجتماع"، حيث يشرح الباحثون كيف أنّ الطاقة التي يوفّرها الإنسان عبر اللامبالاة، قد تُستخدم لتشغيل محطّات كهرباء كاملة.


الفن والأدب

الأدب مليء بأبطال "ما خصّني". خذوا مثلًا شخصية "ميرسو" في رواية "الغريب" لكامو، الذي لم يهتمّ حتى بموت والدته بالدرجة المتوقَّعة اجتماعيًا. أو شخصية "بارتلباي" في قصة هرمان ملفيل، الذي كان يردّ على كلّ طلب بجملة واحدة: "أفضل ألا أفعل". أليس هذا تجسيدًا مبكّرًا لفلسفة "ما خصّني"؟.

في السينما أيضًا، يكفي أن نتذكر شخصية "The Dude" في فيلم "The Big Lebowski"، الذي حوّل اللامبالاة إلى أسلوب حياة كامل.


الجانب النفسي

علم النفس الحديث يُمكنه أيضًا أن يتبنى "ما خصّني" كأداة علاجيّة. بدل العلاج المعرفي السلوكيّ (CBT)، يمكن ابتكار "العلاج اللامبالي السلوكي" (CBNT). يدخل  المريض ليقول: "أنا متوتر، حياتي صعبة"، والمعالج يردّ بابتسامة "ما خصّني". المفاجأة أنّ هذا الردّ قد يحرّر المريض فعلًا من القلق، لأنه يتوقّف عن أخذ كلّ شيء على محمل الجدّ.


مواقف عالميّة

• في سويسرا، يُتوقع أن يلقى اليوم إقبالًا واسعًا، لأنّ الشعب معروف بحياده، و"ما خصّني" مجرّد نسخة شعبية من "الحياد الدبلوماسي".

• في الولايات المتحدة الأميركيّة، قد يتحوّل إلى عطلة تجاريّة جديدة مثل "Black Friday"، حيث تعلن المتاجر عن "حسومات ضخمة! أو ما خصّنا، يمكن ما نفتح أصلًا".

• في اليابان، ربما يواجه هذا اليوم صعوبة لأن ثقافة الالتزام هناك قويّة جدًا. لكن قد يتم تبنّيه من جيل الشباب كنوع من التمرّد.


السياحة والـ "ما خصّني"

من المتوقّع أن يتحوّل "اليوم العالمي لـ "ما خصّني" إلى صناعة سياحيّة بحدّ ذاته. تخيّلوا شركات سفر تنظّم رحلات خاصة بعنوان "جولة اللامبالاة الكبرى". تبدأ الرحلة في مطار حيث الموظفون يرحّبون بكم بعبارة "شنطكم ضاعت… ما خصّنا". بعدها ينقلونكم إلى فندق فاخر، لكنهم يرفضون تزويدكم بالمناشف لأن "مش شغلنا". البرنامج اليومي يشمل زيارة متاحف لا تفتح أبوابها، وجولات بالباص يقودها سائق يعلن كلّ 10 دقائق "وين ما بدّكم انزلوا، ما خصّني".

المفارقة أنّ هذه التجربة قد تلقى نجاحًا عالميًا، لأن السيّاح الذين ملّوا من الخدمات المثالية يريدون أن يعيشوا شيئًا "أصليًّا". حتى "اليونسكو" قد تفكّر بإدراج "ما خصّني" كتراث ثقافيّ غير ماديّ، إلى جانب "الفلامنكو" و "البيتزا النابوليتانيّة".

"اليوم العالمي لـِ "ما خصّني" مرآة عاكسة لروح العصر. إنه يوم نواجه فيه الحقيقة المزعجة، أنّ الإنسان الحديث يعيش بين الحماسة الكبيرة واللامبالاة المطلقة، وأنه أحيانًا يختار الراحة العقليّة على المسؤوليّة الاجتماعيّة. لكن بين السخرية والحقيقة، يبقى السؤال الفلسفيّ مفتوحًا، هل نقول: "ما خصّني" لأننا أقوياء أحرار؟ أم لأننا ضعفاء هاربون؟ أم لأننا متخصّصون بـ "خربت عمرت طلعت نزلت حايدي عن ضهري بسيطة" و "ما خصّني"؟.

The Dude

اليوم العالمي للّامبالاة

هو موجود فعلًا ويُحتفل به سنويًا في17 كانون الثاني، اسمه الرسميّ بالفرنسيّة "Journée mondiale de l’indifférence". أُطلق أوّل مرة في إيطاليا سنة 2010، بمبادرة من المؤسّسة الإيطالية "Fondazione L’Albero della Vita" (مؤسّسة شجرة الحياة)، لإحياء ذكرى مقتل طفل، والهدف منه ليس الاحتفال باللامبالاة بحدّ ذاتها، بل العكس، أي التوعية على خطورتها والدعوة لمواجهتها.