جاد الاخوي

إسرائيل تواصل عدوانها… و"حزب الله" يلتزم الصمت

4 دقائق للقراءة

وقف إطلاق النار تحوّل إلى غطاء لاعتداءات متكرّرة على لبنان وسط غياب أي نوع من الرد.

منذ إعلان وقف إطلاق النار الأخير، يعيش لبنان واقعًا مقلوبًا: إسرائيل تقصف وتخرق، و"حزب الله" يطلق شعارات بأن "لا تسليم للسلاح والسلاح باق"، فيما يتعرض الجنوب اللبناني لغارات يومية وقصف مدفعي يستهدف القرى والبيوت، بينما تغيب الدولة عن المشهد، ويختار الحزب الذي رفع شعار “الرد على أي اعتداء” أن يلوذ بالصمت، فاتحًا الباب أمام أسئلة مصيرية عن معنى السيادة، ودور المقاومة، وحدود الصمت.

عدوان بلا سقف

لم تلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار لا روحًا ولا نصًا. الاعتداءات العسكرية تواصلت على نحو شبه يومي، من الغارات الجوية إلى اغتيالات قيادات الحزب، القصف المدفعي الذي يطال المنازل والأراضي الزراعية. هذه ليست خروقات معزولة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى استنزاف لبنان وترسيخ مشهد “الاستباحة”.

إسرائيل، التي تدّعي أنّها حريصة على الأمن والاستقرار، تثبت من خلال أفعالها أنّها لا تعرف إلا لغة القوة. اغتيالات قيادات "حزب الله"، قصف القرى الآمنة، تشريد العائلات، وتدمير البنية التحتية هي رسائل واضحة: لبنان بلا حماية، والسيادة اللبنانية مجرد ورقة ممزقة في وجه الطائرات الحربية.

صمت "حزب الله": توازن أم تراجع؟

المعادلة التي رفعها "حزب الله" لعقود، “الرد على أي اعتداء”، لم تعد قائمة. منذ وقف إطلاق النار لم يُسجّل أي ردّ على الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة. هنا يبرز السؤال: هل الصمت خيار تكتيكي محسوب بانتظار لحظة سياسية مناسبة، أم أنّ الحزب في مأزق يجعله عاجزًا عن الرد؟

القراءة الأولى تقول إنّ الحزب يتجنّب مواجهة شاملة قد تدمّر لبنان في ظل ظروف اقتصادية وسياسية كارثية. أما القراءة الثانية فتشير إلى أنّ الضغوط الداخلية، من غضب شعبي وتداعيات معيشية، إضافة إلى ضغوط خارجية ودولية، كبّلت يديه وأفقدته القدرة على المناورة. لكن مهما كان التفسير، النتيجة واحدة: صورة “المقاومة” اهتزت، وإسرائيل تستغل الفراغ.

الداخل اللبناني: الضحية الدائمة

وسط هذا المشهد، الشعب اللبناني هو الخاسر الأول. المدنيون في الجنوب يعيشون تحت القصف والخوف، بينما الدولة غائبة عن المشهد بالكامل. لا حماية عسكرية ولا حتى موقف سياسي حاسم. أما الجيش اللبناني، المحاصر بالإمكانات والقرار السياسي، فيكتفي بدور المراقب.

هذا الغياب المزدوج، للدولة من جهة و"للمقاومة"من جهة أخرى، يفتح الباب أمام نقاش وجودي: ما معنى أن يكون للبنان “سلاح مقاومة” في الوقت الذي تُقصف فيه أرضه دون ردّ؟ وكيف يمكن الحديث عن سيادة في ظل عجز شامل عن حماية أبسط مقوماتها؟

المخاطر المقبلة

الاستمرار بهذا النهج يحمل تداعيات خطيرة:

• استنزاف متواصل: إسرائيل ستحوّل القصف إلى روتين يومي ينهك لبنان ماديًا ونفسيًا.

• تآكل صورة "حزب الله": صمته قد يُفهم كتراجع عن معادلة “الردع”، ما اضعف موقعه بين جمهوره وحلفائه.

• إمكانية الانفجار: إذا قررت إسرائيل رفع السقف، واستهداف قيادات أو مواقع حساسة، هل يستطيع الحزب الرد، ما يفتح الباب لحرب واسعة لا يريدها أحد.

ما يجري ليس تهدئة ولم يكن يوما توازنا للرعب، بل اختلالا كاملا للمعادلة: إسرائيل تضرب، و"حزب الله" صامت. وقف إطلاق النار تحوّل إلى رخصة لاعتداءات متكرّرة، وصمت الحزب بدأ يصبح عبئًا سياسيًا ومعنويًا عليه.

الخطر الأكبر أنّ اللبنانيين بدأوا يعتادون على فكرة أنّ أرضهم يمكن أن تُقصف بلا رد. وهذا بحد ذاته تحوّل استراتيجي خطير، لأنه يعني أنّ العدوان الإسرائيلي بات “طبيعيًا”، وأنّ المقاومة تحوّلت من فعل إلى مجرد ذكرى.

في هذا الواقع، يبقى الشعب اللبناني وحيدًا في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، عالقًا بين دولة مغيبة و"مقاومة" ترد بالشعارات، ليبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى يستمر هذا الصمت، وإلى أي مدى يمكن للبنان أن يحتمل عدوانًا بلا سقف؟