محمد البابا

هل تغزو روسيا أوروبا؟

4 دقائق للقراءة

لم يعد السؤال محصورًا بمخاوف نظرية أو تحليلات أكاديمية. التهديد الروسي صار واقعًا يوميًا يوتر أعصاب أوروبا وحدودها، من بحر البلطيق إلى البحر الأسود. الحرب في أوكرانيا تحوّلت إلى منصة أوسع، تنطلق منها موسكو لإرسال إشارات قوة وابتزاز، تجعل عواصم القارة العجوز تعيش على وقع هاجس حرب جديدة.


سماء أوروبا تحت الضغط

التجاوزات الروسية في الأجواء الأوروبية تكاد تصبح روتينًا. في الأسابيع الأخيرة، اقتربت قاذفات روسية من المجال الجوي الإستوني أكثر من مرة، ما استدعى استنفار مقاتلات الناتو بشكل فوري لاعتراض الروس. وفي الدنمارك والنرويج، رُصدت طائرات روسية تحلق على علو منخفض وصلت الى مطار كوبنهاغن ما سبب حالة من الهلع، في عمليات وُصفت بأنها "استعراض متعمّد للعضلات" يهدف إلى اختبار قدرات الردع الغربية. أمّا بولندا ورومانيا، فقد شهدتا اختراق مسيّرات روسية لأراضيهما وذلك خلال هجوم عنيف على اوكرانيا، ما أثار رعب السكان وزاد الضغط على الحكومات للمطالبة بتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو في حال تكرر الأمر.


صواريخ باليستية على حدود بولندا

التصعيد الأكبر تمثّل بنشر صواريخ إسكندر الباليستية في جيب كالينينغراد الروسي، الواقع على مرمى حجر من بولندا وليتوانيا، وذلك ضمن مناورات تدريبية تخت عنوان "زاباد ٢٠٢٥" اي بالترجمة للعربية "غرب ٢٠٢٥". هذه الخطوة قلبت موازين الردع في المنطقة، ما يعني أن صواريخ بوتين قادرة على ضرب عواصم أوروبية في دقائق معدودة، ومزودة بأنظمة متطورة للتشويش والتمويه تجعل اعتراضها بالغ الصعوبة. الرسالة كانت واضحة: روسيا لا تكتفي بالقتال في أوكرانيا، بل تضع أوروبا نفسها تحت التهديد المباشر.


المناورات المشتركة مع بيلاروسيا

إلى جانب ذلك، تحولت بيلاروسيا إلى قاعدة خلفية للمخططات الروسية. المناورات المشتركة الأخيرة بين موسكو ومينسك أظهرت تدريبات على سيناريوهات غزو بري وعمليات إنزال جوي بالقرب من الحدود الأوروبية. بعض التقارير الاستخباراتية أكدت أن هذه التدريبات لم تكن دفاعية بحتة، بل تضمنت خططًا هجومية تحاكي اجتياح مناطق حدودية داخل ليتوانيا أو بولندا، ما رفع درجة التأهب داخل الناتو إلى مستويات غير مسبوقة.


زيلينسكي يحذّر… وأوروبا في حيرة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي زاد من حدة النقاش بتصريحاته الأخيرة، حين قال بوضوح: "روسيا قد تغزو أوروبا قبل نهاية الحرب في أوكرانيا." تحذيراته لم تأتِ من فراغ، بل من قراءة لمؤشرات تتجمع بوتيرة متسارعة: تحرشات جوية، مناورات هجومية، وصواريخ متقدمة على الحدود. لكن أوروبا ما زالت في حيرة، بين تيار يدعو للتصعيد والمواجهة المباشرة مع موسكو، وتيار آخر يحذر من أن أي خطوة غير محسوبة قد تشعل حربًا شاملة على القارة.


البنتاغون يدخل على الخط

هذه المخاوف لم تبقَ أوروبية فقط. في واشنطن، ترأس الرئيس الأميركي دونالد ترامب اجتماعًا عسكريًا خاصًا في البنتاغون، حضره كبار قادة الجيش ومستشاروه للأمن القومي. الهدف كان دراسة السيناريوهات المحتملة في حال توسعت الحرب خارج أوكرانيا. مجرد انعقاد هذا الاجتماع شكّل رسالة بأن الولايات المتحدة تعتبر التهديد الروسي موجهًا للنظام الأمني الغربي كله، وليس مسألة أوروبية داخلية فحسب.


أوروبا بين الخوف والردع

رغم كل ذلك، أوروبا ما زالت مترددة. قدراتها العسكرية تعرضت لسنوات من الإهمال، مخزوناتها من الذخيرة محدودة، وجيوشها تعتمد بشكل كبير على المظلة الأميركية. لكن الخوف الأكبر يكمن في الانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي: دول مثل بولندا ودول البلطيق تدعو للتشدد الفوري، بينما دول أخرى مثل ألمانيا وفرنسا تميل إلى الحذر خشية الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.


المعركة القادمة: نفسية قبل أن تكون عسكرية

في المحصلة، موسكو لا تحتاج إلى عبور حدود الدبابات لتفرض واقعًا جديدًا. يكفيها أن تُبقي أوروبا في حالة قلق دائم، تحت تهديد السماء المفتوحة والمناورات المستمرة والصواريخ الموجهة. إنها معركة نفسية قبل أن تكون عسكرية، والنجاح الروسي فيها قد يفتح الباب أمام خطوات أكثر جرأة، وربما أمام الغزو الذي يخشاه الجميع.


وفي هذه اللحظة الحرجة، يبقى السؤال الذي يثقل كاهل القارة العجوز:

هل ستغزو روسيا أوروبا… أم أن أوروبا ستغزو خوفها وتعيد رسم موازين القوة قبل فوات الأوان؟