الياس دمّر

في فيلم "One Battle After Another"... الثورة التي لا تهدأ والذاكرة التي لا تمحى

6 دقائق للقراءة

عند إطلالته الأولى في عالم السينما عام 1997 مع "Boogie Nights"، أثبت Paul Thomas Anderson أنه ليس كاتبًا أو مُخرجًا تقليديًا، بل هو مؤلِّف بصريّ يمتلك لغةً خاصّة في السرد السّينمائي. عام 1999 في "Magnolia" وسّع هذه اللغة عبر بناء فسيفساء من الشخصيات المُتقاطعة التي جسّدت الفوضى الإنسانيّة، فيما قدّم في "Punch-Drunk Love" عام 2022، تجربة أكثر حميميّة ورهافة، مزج فيها الكوميديا بالرومانسيّة مع لمسة قلقٍ داخلي مُستمر. واستمرَّت بعدها أفلامه في التألُّق، مهما بلغت مواضيعها حديّة، كما اختبرتُ عند مشاهدتي عرضًا خاصًّا وحصريًّا بنسخة "70mm" فيلمه "The Master"، في سينما "Odeon West End" في لندن (تشرين الثاني 2012). عندها تأكّدتُ أنَّ ما يُميّز سينما أندرسون القدرة على الإمساك بالتناقضات، بين الضخامة والحميميّة، السّخرية والجديّة، الانفجار العاطفي والبرود الواقعي.

كل عملٍ جديدٍ له، يُنظر إليه كحدثٍ سينمائي قائم بذاته لأنه لا يكتفي بسرد قصّةٍ، بل يخلق عالمًا يُجبر المُشاهد على إعادة النظر في نفسه ومحيطه. فيلمه الجديد "One Battle After Another"، يأتي في فترةٍ زمنيّةٍ تهتز فيها المعاني التقليديّة للمُقاومة، الهويّة، السّلطة وتاريخ الشعوب. هو ليس مُجرَّد فيلم حركة وتشويق، بل سردٌ سياسيٌ وإنساني يُعرض من خلال قصّة تجمع بين الثورة، العائلة، التقاليد والذاكرة. الفيلم لا يخشى مواجهة الأسئلة الكبرى، بل يصنع منها أرضيّة لطرحها على المُشاهد، بأسلوبٍ سينمائيٍ غني ومُتنوّع.


الأبوّة ساحة حرب

تبدأ القصّة بزخمٍ منذ اللّحظة الأولى، حين تُنفّذ جماعة ثورية تُدعى "French 75" عمليّة على الحدود بين المكسيك والولايات المُتحدة الأميركيّة، لتأسر ضبّاطًا وتُحرّر مهاجرين محتجزين، بقيادة "Perfidia Beverly Hills" (تلعب دورها Teyana Taylor). هذا المشهد الافتتاحي ليس مُجرَّد إعلان ثورة، بل هو استعراض فذ لتوترات السّلطة، التعصُّب العرقي والهيمنة السياسيّة. ويتعرَّض الكولونيل المسؤول "Lockjaw" (بِدور "أوسكاريّ" للمُمثل Sean Penn) للإذلال من قبل بيرفيديا، ويحوّله الانكسار المُزدوج (كونه ضحيّتها من جهة ورجلًا أبيض ذا توجّهٍ عنصري من جهة أخرى) إلى مرآةٍ للكراهية والرّغبة في السّيطرة أكثر.

ثمَّ يقفز الفيلم زمنيًا مدّة ستة عشر عامًا، ليُدخلنا في حياة "Bob Fergusson" (يلعب دَوره النجم العالمي Leonardo DiCaprio)، كأبٍ اعتمد الثورة جزءًا من كيانه، لكنه أضحى مُحاطًا بالخوف على ابنته، في قلقه من أن يخسرها لصراعٍ لا هويّة له في الأغلب. وتجسّد الابنة "Willa" (في أوّل دورٍ اكتشافي رائع للشابّة Chase Infiniti)، رحلة التوتّر بين الثورة والواجب الأبويّ، التي تصبح أحد الأعمدة العاطفيّة للفيلم. كما تثري القصّة الشخصيّات المساندة، مثل "Deandra" (المخضرمة Regina Hall) التي تضطر للمساعدة تحت الضغط الثوري، و"Sensei Sergio St. Carlos" (المُبدع Benicio Del Toro) الذي يُدخل بعدًا روحانيًا إرشاديًا في دعم الأب على النجاة. وتنتقل تلك الشخصيّات بالعمل، من مُجرّد قتالٍ مستمر إلى ساحةٍ للصراع الدّاخلي والخارجي، وللفقدان والذاكرة.


خطّة سرديّة بامتياز

أحد أبرز عناصر الفيلم يكمن في الإيقاع الفني، إذ أن المُخرج لا يبدأ بهدوءٍ أو بتمهيدٍ، بل يُدخل المُشاهدين مباشرة في قلب الثورات من البداية، ليُعلّقهم في شدة لن تهدأ بسهولة. ويمتدّ الفيلم على 162 دقيقة، دون أن يُشعرنا بثقلٍ أو بإطالةٍ غير مُبرّرة، بفضل الخلطة المتميّزة بين الحركة والمطاردات والتوتر الدرامي. من الناحية التصويرية، يتعاون أندرسون مع المُصوّر Michael Bauman لإنتاج لقطاتٍ مُبهرة بصريًّا، تتوازن بين المَشاهد الملحميّة وتلك الأخف قسوة لِما بعد الثورة، مثل أماكن اللّجوء أو المُطاردات، ولتُشكّل لحظاتٍ مفصليّة بين المعارك والسّلام، بين الأمان والخطر. أمّا اللّقطة المميّزة في بداية الفيلم، التي تُظهر الجدار الفاصل (border wall) كمشهدٍ تشكيلي، فتبدو وكأنّها تتحدّث عن الحواجز النفسيّة، التاريخيّة، السياسيّة وليس وجودها فقط مُجرّد إضافة واقعيّة. وفي بُعدٍ إبداعيّ استثنائيّ، تُعتبر الموسيقى التصويريّة من تأليف Jonny Greenwood، أحد أهم أعمدة التشويق والإحساس في الفيلم. فاستخدامه أدواتٍ منفردة، نغمات نادرة، وأصوات مفاتيح البيانو التي تبدو كدقات جرس إنذار أو تردّداتٍ بعد المعركة، جعل من الموسيقى أكثر من مُجرّد خلفيّة جذابة للفيلم، بل عنصرًا مذهلاً في بناء التوتر والنبض التشويقي.


السّلطة والتاريخ والمسكوت عنه 

من خلال شخصيّة "Lockjaw" وكيفيّة تعامل السّلطة مع الحقائق ومحاولاتها لتغييبها (بلدنا خير شاهد)، يُطرح موضوع نكران أحداث الماضي وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم مصالح الحُكّام. الفيلم يُلمّح إلى أن هناك ما لا يُدرَّس في التاريخ ليس فقط بداعي التجاهل، بل بسبب رغبات مُؤَسّسيّة في تحويل الحقيقة إلى أسطورة وتصفية الأصوات التي تُعارض. وتبرز أيضًا ثيمة المقاومة المستمرّة، حيث أنَّ الفيلم لا يكتفي بإظهار صراعاتٍ عابرة، بل يجعلنا نشعر بأنّ الثورة حالة دائمة، وأن المعركة ليست مرّة واحدة بل معركة تلو الأخرى، كما هو عنوان الفيلم. إنه دعوة للاستمرار، للصّمود، بالرُّغم من الخسارة والظروف التي تحاول أن تُنهِي الأمل! هو يُثبت أنّ الثورات لا تنتهي بانقضاء الزمن، بل بالحفاظ على القدرة على السّؤال، التصدّي، والتذكير. هو دعوة كي لا نغلق المعارك بعد أن تبدو هزائم، بل أن نستمر في المعركتَين: مع القوى الظاهرة ومع التاريخ الذي يُحاول كثيرون أن يُعيدوه حسب أهوائهم. هذا ويتميّز الفيلم أيضًا في اعتماده على السّخرية أحيانًا، ليصل إلى نقدٍ لا يبدو موعظيًّا بل مشوّقًا ومؤثرًا.


صرخة ثائرة في زمن التردّد

إذًا، فيلم "One Battle After Another" يتحدّى، يُزعج، يُسائل، ويحث. إنه دعوة للتفكير في ما نختار تذكّره، في ما نؤمن به، في ماذا نُعلّم أبناءنا وكيف نستمر في الكفاح، حتى عندما تبدو المعركة وكأنها لا تنتهي. الفيلم لا يُقدِّم وصفة جاهزة، لكنه يمنحنا رؤية لضرورة المواجهة، لعُمق التاريخ، وللإنسانيّة التي تصمد وسط الخراب.

على صعيد الإبداع السّينمائي، يُعتبر الفيلم إنجازًا مُتكامل العناصر، من الإخراج، والتمثيل، إلى الصّوت، الموسيقى والبُعد الرمزي. هو ليس مُجرّد فيلم ثورة، بل فيلم عن الثورة التي تلامس أعماق الروح والذاكرة. فيلمٌ كهذا لا يمكن أن يُقيَّم بمعزل عن السّياق المحلّي، فلبنان يشهد اليوم صعودًا للخطاب الوطني، ونقاشًا حول التاريخ ومَن يكتبه، من يُحرم من صوتٍ ومن يُعاد تنصيبه ومن يُطمس ماضيه. لا يكتفي الفيلم بوصف هذه الظواهر عالميًا، وإنما يدعو إلى التذكّر، إلى التحقق من السّرديّات الرسميّة والأهم إلى تدريب القدرة على المُقارنة النقدية.

وبينما تنتظره أقلّه عشرة ترشيحات إلى "الأوسكار"، ينتظر الفيلم مشاهدتكم الضروريّة والأساسيّة والمُلحّة في صالات السّينما.