عبر الرئيس نواف سلام منذ تولّيه رئاسة الحكومة معمودية نار سياسية وأمنية لن تنتهي ربّما حتى بعد خروجه من الحكم، ذلك أن الأحقاد في لبنان هي من أقانيم السياسة، والحاقدون يكونون أشدّ خطرًا عندما يتفجّر حقدهم وهم يحملون السلاح وفي "رصيدهم" قتل رؤساء للحكومات ووزراء ونوّاب ومفكرين وإعلاميين وهو يواجه اليوم التحدّي الأكبر بعد انكشاف عورات الدولة في واقعة الروشة، وما واجهه سلام من تصدّعات في قلب مؤسّسات الحكم والأمن، وهنا نقف عند الوقائع التي رافقت هذه الأزمة، والموقف السني منها.
سجّلت الوقائع أن دار الفتوى والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى التزم الصمت، وكذلك تراجع أغلب النوّاب عن مواقفهم الداعمة لسلام ولم نشهد حالة التفاف سياسية وازنة حول أول رئيس حكومة قرّر مواجهة السلاح غير الشرعي وفرض بند حصرية السلاح في قرار شرعي رسميّ صادر عن الدولة اللبنانية.
هل تبخّر السياديّون السنة... وهل اختفى أصحاب مشروع الدولة في هذه الطائفة المؤسِّسة... وهل نحن أمام تخلّي من يحتلّ المواقع السنية اليوم عن مسؤولياتهم في هذه المواجهة القاسية التي ستعني الهزيمة فيها نهاية لبنان؟
ولا شك أن الرئيس سلام يتحمّل مسؤولية كبرى في كيفية التعامل مع عمقه السني النخبويّ والشعبيّ، وهو الذي كان في بدايات رئاسته الحكومة زاهدًا في التفاعل معه، بالنظر إلى خلفيته الفكرية ذات الطابع اليساري. لكن مع تفاقم الأزمات واتضاح طبيعة الصراع الذي يأخذ أبعادًا طائفية ومذهبية مع إلباس "الثنائي" الشيعي كلّ المعارك أثواب المذهب والفقه والعقيدة، غيّر الرئيس سلام وعدّل توجّهاته، فحضر اجتماع المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى واستقبل هيئات سنية وجمعيات دينية ومدنية، وهذا ساهم في تحريك الركود السائد حوله، كما أن اهتمامه بإنماء المناطق، وخاصة طرابلس وعكار، أعطاه حضورًا وتأييدًا ملموسًا ممزوجًا بين السياسة والتنمية.
لكن الدائرة المحيطة بالرئيس سلام ما زالت فقيرة بالحضور السني النخبوي المؤيّد لمشروع الدولة والحاضن لرئيس الحكومة، وهذا أمرٌ يحتاج إلى معالجة لتعويض هذا التصحّر السياسي القائم، والخالي من المبادرات والمواقف الصلبة والحامية لمقام رئاسة مجلس الوزراء والقادرة على إقامة التوازن في وجه ما يتعرّض له داخل المؤسّسات الرسميّة وخارجها.
هذه المصارحة ضرورية مع الرئيس سلام، لأنّ الجميع يحتاج إلى التعاون والتنسيق وتوزيع الأدوار، وصحيح أنه لا يتقبّل الشعبوية، بَيْد أن هناك فارقًا شاسعًا بين الحركات العشوائية وبين الإفادة من أصحاب الفكر والرؤى والتجارب السياسية والإنمائية، فهذا مسار ينبغي سلوكه باعتباره ضرورة للتوازن وتقوية زخم قرار الإصلاح وفرض إرادة الدولة.
ليس مطلوبًا من نواف سلام أن يكون طائفيًا، بل أن يحفظ حقوق من يمثل في الدولة، وهذه الحقوق باتت تتساقط نتيجة ما بات يشوب هذا العهد من محاصصات وتقاسم في المواقع والمصالح والنفوذ، مع ما يرافق ذلك من إخلال بالعدالة والحقوق، فضلًا عن أن مسار فرض حصرية السلاح بحاجة إلى استجماع القدرات والطاقات، واستعادة روح 14 آذار وفق الواقع الحاضر، فالركون إلى المعادلة القائمة حاليًا لن يؤدي إلى النتائج المطلوبة لنجاح مشروع الدولة.
إحياء الروح السيادية الإسلامية المسيحية ضروري على يمين الحكومة ويسارها، واستنهاض الجمهور السني للمشاركة في المواجهة الوطنية هما السبيل الأنسب لضمان استمرارية مشروع نواف سلام لحماية لبنان وأمنه واستقراره.