مايا الخوري

الطبّ الوقائي ركيزة المستقبل

لقاح الأطفال... تحصين من العدوى ومناعة مجتمعية

6 دقائق للقراءة

لا يعلو ضجيج الأصوات الداعية لوقف تلقي اللقاحات الإلزامية عند الأطفال فوق أهميتها في تحقيق الحماية الذاتية ومن خلالها المجتمعية خصوصًا أننا نشهد عودة أمراضٍ خطيرة في أوروبا وأميركا تداعياتها الصحية قد تمتدّ لسنوات وتنذر باهتزاز القطاع الصحي والاستشفائي.

يجب التمييز بداية بين اللقاحات الأساسية الإلزامية واللقاحات الاختيارية الموصى بها والتي لا تقلّ أهمية عن الأولى، لكنها تختلف بين بلد وآخر وفق برنامج التلقيح المعتمد من قبل وزارة الصحة، وبحسب عبء المرض في البيئة التي ننظر إليها والحمل الذي يمكن أن تشكله على القطاع الصحي والاستشفائي والقدرات المادية لهذا البلد.

وفي هذا الإطار، حددت وزارة الصحة في لبنان اللقاحات الإلزامية المؤمنة مجّانًا لكل الأطفال الموجودين على الأراضي اللبنانية بغض النظر عن جنسيتهم. ويتضمّن البرنامج: اللقاح الخماسي، لقاح شلل الأطفال، لقاح الحصبة النكاف والحصبة الألمانية، لقاح المكوّرات الرئوية ولقاح الروتا فيروس. حيث يتلقى الطفل في عاميه الأولين أكبر عدد منها لتأتي بعدها جرعات تذكيرية من أجل تأمين الحماية على المدى البعيد.

وتتحدث طبيبة الأطفال والأخصائية في علم اللقاح الدكتور دينا الحلو قاعي عن الأنواع المختلفة من اللقاحات: "اللقاحات الحيّة المضعّفة التي تحتوي على مكوّنات مضعّفة من الفيروس كالحصبة. والتي عند التلقيح بواسطتها تأتي الأعراض مخفّضة جدًا، يتغلّب عليها جهاز المناعة مكوّنًا أجسامًا مضادة تؤمن الحماية منه مستقبلًا. واللقاحات غير النشطة المكوّنة من فيروس ميت أو بكتيريا ميتة، والأخرى التي تحتوي على أجزاء من الفيروس والبكتيريا. يتعرّف عليها جهاز المناعة كجسم غريب ليصنع أجسامًا مضادة تحمي الملقح منها مستقبلاً".

وتؤكد أن التلقيح هو عمل وقائي هدفه الأساس حماية الأطفال وتعزيز مناعتهم ضدّ أمراض معدية خطرة يمكن أن تسبب لهم اشتراكات أو وفاة. كما يهدف إلى تعزيز المناعة المجتمعية عن طريق خفض فرص انتشار الأمراض المعدية. فمن خلال حماية 90 أو 95 % من المجتمع، نحدّ من انتشار الفيروس أو البكتيريا ونحمي الـ 5 % الذين لم يتلقوا اللقاح كالرّضع والمسنين والأشخاص ذوي المناعة الضعيفة.

وتضيف: "طالما أن الأطفال هم الفئة الأضعف في المجتمع والأكثر عرضة للأمراض المعدية مقارنة مع الأكبر سنًّا، والناقل الأول لها من الحضانات والمدارس إلى أفراد عائلاتهم الصغار والمسنين، لذلك يُلقحون أوّلاً لحمايتهم الذاتية ومن خلالهم حماية المجتمع، وبالتالي تشكّل اللقاحات منفعة على صعيد الصحة العامة حيث تخفف الحمل على نظام الرعاية الصحية موفّرة الوقت والموارد لمعالجة أمراض أخرى".

على عكس المعتقدات الشائعة والخاطئة، توضح د. حلو أن اللقاح لا يُضعف المناعة الذاتية، لأنه يرتكز عليها من أجل التعرّف على الجرثومة وتكوين الأجسام المضادة والذاكرة ضدها مستقبلًا، فيصبح جسم الملقح محصنًا ومستعدًا للدفاع عن نفسه مباشرة قبل الإصابة بالمرض وبدء الأعراض. وعمّا إذا كانت فعالية اللقاحات تنتهي على المدى الطويل، تجيب: "بحسب نوع اللقاح، فبعضه يحتاج إلى جرعة أو جرعتين كافيتيْن للوقاية طيلة سنوات، فيما تحتاج لقاحات أخرى لجرعات تذكيرية بعد 5 أو 10 سنوات. لذلك، من الضروري الالتزام بجدول التلقيح، وإن كان مكثفًا في السنوات الأولى من عمر الأطفال، لأن التأخير قد يخفّض مناعتهم ضد العدوى على المدى الطويل".

وتجدر الإشارة إلى أن جدول التلقيح وقائي وليس علاجًا، وبالتالي في حال تأخّر الموعد لأسباب طارئة يمكن استلحاقه واستكماله بالتنسيق مع طبيب الأطفال. وتأسف د. حلو لما أشيع عن تسبب لقاحات معيّنة بأمراض خطيرة، مشيرة إلى المعلومات المغلوطة التي انتشرت في نهاية التسعينات عن العلاقة ما بين لقاح "الحصبة وأبو كعيب والحصبة الألمانية" ومرض التوّحد، والتي برهنت الدراسات الطبية التي أجريت عدم صحّتها. وتضيف: "تدوم الشائعات أكثر من المعلومات العلمية، لذا نواجه يوميًا فئات من المجتمع ترفض هذه اللقاحات ما أدى إلى انتشار جديد للحصبة في أميركا وأوروبا سبّب وفيات عند الأطفال".

ورأت أن الإنسان عدوّ ما يجهل، "عندما يصاب بالمرض يتوّجه إلى الطبيب لعلاج أعراضه لكنه لا يتقّبل بسهولة أي نوع من العلاج الوقائي الاستباقي للمرض"، مشددة على أن الطب الوقائي هو المستقبل، وأحد لا يرغب بالعودة إلى زمن الأمراض والأعراض والاشتراكات طالما يمكن الوقاية منها، أو إلى انتشار أمراض الشاهوق والخانوق وشلل الأطفال والكزاز، بل حماية الأطفال وأنفسنا منها، معتبرة الأصوات التي تعلو داعية إلى وقف اللقاحات مؤذية على المدى المنظور وغير المنظور، لأن انخفاض مستوى المناعة المجتمعية سيؤدي إلى ظهور هذه الأمراض مجددًا ولن يكون أحد بمنأى عنها لذلك من الضروري الالتزام بهذه اللقاحات، وتوقع لقاحات جديدة إضافية لأن المستقبل هو للطبّ الوقائي الذي يهدف إلى تفادي المرض قبل العلاج.

وتنصح الأهل باعتبار التلقيح بمثابة التأمين على صحة صغارهم لأن مستقبل الطب الحديث يرتكز على الوقاية من الأمراض كافة والتحصين، خصوصًا أن ثمة أمراضًا عدّة خطيرة نتمنى ألا تنتشر مجددًا بعدما سُجّلت إصابات فيها بسبب انخفاض نسبة التطعيم.


تحذير من الشائعات


هل من أعراض جانبية محتملة للقاحات؟ تجيب د. حلو: "كثرت في الآونة الأخيرة المعلومات المغلوطة حول الأعراض الجانبية أو تداعيات اللقاحات خصوصًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ما هز الثقة المجتمعية بأهميتها. لذا من المهمّ التأكيد على أن لا أعراض جانبية لها على المدى الطويل، بل تحصل آثار خفيفة تقتصر على ارتفاع بسيط في الحرارة وألم أو احمرار في مكان الوخز، وأخرى شبيهة بنزلة البرد وأوجاع في المفاصل وتعب وأحيانًا إسهال بحسب نوع اللقاح، لكن كلها بسيطة ولا تدوم سوى بضعة أيّام من دون أي أعراض دائمة على عكس التداعيات الصحية لبعض الأمراض الخطيرة كالحصبة مثلاً، ففي حال لم نكن ملقحين ضدّها، قد تظهر أعراضها في الجهاز العصبي بعد 10 سنوات أو أكثر"، خاتمةً: "نحن كأطباء أطفال وأهل، شركاء مؤتمنون على صحة الجيل الصاعد حتى يبلغ بصحة جيدة محصّنًا بمناعة قويّة للمستقبل".