ميشال معيكي

حروف المطبعة إن سَرَدت سيرتها

6 دقائق للقراءة

عرفت الشعوب القديمة الكتابة والتدوين نقشًا على الصخور والخشب وعلى جلود الحيوانات. أهل الصين من أقدم الطبّاعين، وكانت الحروف تُكتب باليد على ألواح خشبية مُشبعة بعصير الأرُز المطبوخ، ثم يُحفر الخشب حول الأحرف لتصبح نافرة صالحة للطبع.

في حدود سنة 1000 ميلادية، ابتكر الصيني بي شينغ الأحرف المتحرّكة من الفخّار. واستمرّت تقنيات الطباعة على هذا النمط حتى جاء الألماني جان غوتنبرغ في القرن الخامس عشر (1397-1468) وظهرت معه تباشير حركةٍ طباعية حديثة، بعد ابتكار الأحرف المعدنية المتحركة. وفي العام 1448 طُبعت أول رزنامة فلكيّة باللّغة الألمانيّة. وسنة 1457 طُبع أول كتاب "مزامير" في مدينة مايانس الفرنسيّة.


الحرف العربي المطبوع

ظهر الحرف العربيّ في الطباعة للمرة الأولى، مع الراهب الدومينيكاني مارتن روث في العام 1486 في مايانس، مع طباعة كتاب برنارد دو برايدنباخ الذي يروي أحداث رحلته إلى الأماكن المقدّسة في فلسطين. إرهارد رويش الذي طبع الكتاب، صنع رسوم الألواح، وفيه أبجدية عربيّة كاملة مع بيان لفظيّ - سمعيّ للكلمات بحروف لاتينية. يتضمّن هذا الكتاب التاريخيّ خريطة لمدينة القدس، وصورًا لحجّاج لبنانيين، واقتصر على طبع الأبجديّة العربيّة.

يذكر كميل أبو صوّان في "الكتاب ولبنان" بالفرنسيّة، (منشورات الأونيسكو): "...كان لا بُدّ من انتظار ست سنوات وبعد استرداد غرناطة، لطبع نصّ عربيّ في أوروبا. ذلك أنّ زواج فردينان داراغون وإيزابيل دو كاستيل جمع بين المملكتَين القويّتَين (فرنسا - إسبانيا) ومهّد لاسترداد الأندلس، وكان الدخول إلى غرناطة في الأيام الأولى من كانون الثاني 1492. وما أن انتهى القتال حتى منح فردينان، عدوّه الأمير عبدالله أراضي واسعة على الساحل، ودعاه للعودة إلى غرناطة. فأبى عبدالله، ولم يتمالك من ذرف دمعة تاريخيّة حارّة، حين وقف على رابية بادول المشرفة على غرناطة. يومها قالت أمّه السّلطانة عائشة قولها المشهور: "لا تبكي مثل النساء على مُلكٍ لم تحافظ عليه كالرجال!"".

أدّى فتحُ الأندلس إلى انتشار اللغة العربية والإسلام. وبعد استعادتها، قرّر فردينان السماح للأندلسيّين باعتناق المسيحيّة من جديد. فكلّف جماعة من الواعظين بتلك المهمّة، وبرزت الحاجة إلى استعمال اللّغة العربيّة التي سادت في تلك الحقبة. فاستدعى الأسقف فرناندو دو تالافيرا مواطنًا من مدينة سلامانكا الجامعية يدعى خوان فاليرا وكلّفه بطباعة كتابَين خصّيصًا للوعّاظ الذين يجهلون العربيّة. صدر الكتابان في مدينة غرناطة في شهر شباط العام 1505.

في القرن السادس عشر، عرفت الطباعة ازدهارًا عظيمًا في أوروبا، فطُبع الكثير من الكتب والمنشورات الشرقيّة والغربيّة، فيما الشرق كان لا يزال في عصر الورّاقين (النسخ).


وادي قاديشا الانطلاقة

في العالم العربي وفي لبنان تحديدًا، عرف وادي قاديشا الانطلاقة الأولى للحرف العربي والسرياني، في الأديرة. ففي العام 1154 تأسّس "دير مار قزحيّا" ثم هدم في القرن السادس عشر، وأُعيد ترميمه. يقول المؤرِّخ الدويهي واصفًا معالم الدير في العام 1544: "كان يحتوي طابقًا أرضيًّا وممرًّا ضيّقًا وغرفةً ومطحنةً للحبوب، وبالقرب منه مناسك وصوامع للرهبان منحوتة بالصخر...".

أما المطبعة التاريخيّة، فلا تاريخ محددًا لها وطبعت باكورتها كتاب "المزامير" باللغة السريانية في العام 1585. ويستنتج المؤرِّخ الإيطالي دانديني: "أنّ "مطبعة مار قزحيّا" كانت الأولى والوحيدة في لبنان والمشرق العربي في تلك الحقبة. ويُعزى الأمر إلى انفتاح حاكم لبنان آنذاك، الأمير فخر الدين المعنيّ الثاني الكبير، الذي مدّ جسورًا مع إيطاليا، وشجّع سفر الطلّاب اللبنانيّين إليها لتحصيل العلوم (هندسة - طب - لغات...) وكانت إمارته على قدرٍ وافرٍ من التطوّر والمعارف، قياسًا إلى إمارات وممالك الشرق العربيّ آنذاك، والطباعة كانت جزءًا من هذا التطور...".

مطبعة "دير مار قزحيّا" كانت أول مطبعة تأسست في الشرق العربي، وطبعت مئات الكتب والمنشورات (صلوات - تاريخ - آداب - علوم ذلك الزمان...) وبعدها، جرت محاولات لجلب مطبعة إبراهيم الغزيري التي تأسست في روما ثم نُقلت إلى مالطا. في العام 1728 أسّس الشمّاس عبدالله الزاخر (1680 - 1748) "مطبعة الشوير" (جبل لبنان) التي عملت بانتظام اعتبارًًا من العام 1734، وكانت من أهم مطابع الشرق إنتاجًا وتنوّعَ مواضيع.

في العام 1816، سافر بطريرك السريان غريغوريوس بطرس جروة إلى لندن لشراء مطبعة. يقول إسحق السرياني في "تاريخ دار الشرفة"(جبل لبنان): "... واستحضر مطبعة كاملة بآلاتها وحروفها ومعدّاتها، ونقلها إلى "دير أفرام" في قرية الشبانية (جبل لبنان) ودفع قيمتها عشرين ألف فرنك".

في العام 1877 إثر أحداث 1860 الدّموية التي زرعت الخراب والدمار في جبل لبنان، نُقلت هذه المطبعة من الشبانية إلى "دير الشرفة"، وكانت تحتوي على آلتَين لطبع الكتب على قوالب لصبّ الحروف العربيّة والسريانيّة. طلب البطريرك جروة من المستشرق الفرنسي دو ساسي قوالب حروف سريانيّة، فردّ المستشرق من باريس في آذار 1820 قائلًا: "...ونعلمكم أننا قد ترجمنا من اللغة الفرنساوية إلى العربيّة كتاب "الوصيّة" الذي حرّره الملك لويس السادس عشر ملك فرنسا (1754 - 1793) وسمّيناه "كتاب الدرّ المنظوم في وصايا الملك المرحوم"، تصلكم منه 25 نسخة ومعها القوالب والحروف السريانية الضخمة...".

في العام 1848، تأسّست "المطبعة الكاثوليكيّة" الشهيرة التابعة للرهبانية اليسوعية، وتلتها "مطبعة جمعية الفنون" في العام 1874 وهي أول مطبعة إسلامية في بيروت. وابتكر الشيخ إبراهيم اليازجي (1806 - 1847) حرفًا عربيًّا متحرِّكًا، يمكن استعماله في أي مكان من الكلمة، فساعد ذلك في ابتكار الآلة الكاتبة في ما بعد.

في العالم العربي

في العالم العربي، عرف العراق الطباعة بدايةً في الموصل، حيث تأسّست "مطبعة الآباء الدومينيكيّين" في العام 1859، وبعدها "المطبعة الكلدانيّة" عام 1863، ثم تأسّست "مطبعة الولاية" عام 1875.

في مدينة القدس، نشأت أولى المطابع على يد الراهب النمسوي سيباستيان فروتشنر في العام 1846، وكانت تسمّى "مطبعة الآباء الفرنسيسيّين"، وطبعت حوالى 120 عنوانًا بالعربيّة والتركيّة والأرمنيّة والعبرانيّة واليونانيّة واللغات الأوروبيّة. وفي سنة 1899، تأسّست "المطبعة الوطنيّة".

ويذكر الأب لويس شيخو اليسوعي في كتابه التوثيقي الشهير "تاريخ فن الطباعة في المشرق"، الصادر عن "منشورات دار المشرق في بيروت" سنة 1900: "أن "المطبعة الفنية" هي أقدم مطبعة في دمشق، وكان أحضرها من أوروبا المرحوم حنا الدوماني في العام 1855 ثم انتقلت إلى محمد الحفني سنة 1882. من أوائل كُتبِها "يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر". أما "مطبعة ولاية سوريا" فنشأت سنة 1864، وفيها طُبعت "جريدة سوريا".

قديمة حكاية الحرف في العالم، وفي مشرقنا العربي. وهي مسيرة العولمة القديمة جدًّا في سعي الشعوب إلى التفاهم لأغراض الحياة (تجارة - علوم - ثقافات...) عبر اللّغات، وقد لعبت الطباعة دورًا أساسيًّا في تفاهم وتطوّر الشعوب لتبادُل نتاج حضاراتها وأفكارها وسياساتها.


الشمّاس عبدالله الزاخر مؤسِّس"مطبعة الشوير"